فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 788

قال -تعالى-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} آل عمران159، قال سيد قطب: فالناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم، ولا يحتاج منهم إلى عطاء، ويحمل همومهم، ولا يعنيهم بهمّه، ويجدون عنده دائمًا الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والمودة والرضاء. ا.هـ. [الظلال 1/494] .

إن الداعية أمام جمهور الناس، لا بدّ له وأن يكون على هيئة حسنة في كلامه وتصرفاته، حتى يكون داعية ناجحًا، ولما كان كذلك فإنه واجب - ولا محالة - بيان ذلك للناس

وقال -تعالى-: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } الأعراف199، قال سيد قطب: خذ العفو الميسّر الممكن من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة، ولا تطلب إليهم الكمال، ولا تكلّفهم الشاق من الأخلاق، واعف عن أخطائهم وضعفهم ونقصهم، وبذلك تمضي الحياة سهلة لينة.

فالإغضاء عن الضعف البشري، والعطف عليه، والسماحة معه، واجب الكبار الأقوياء تجاه الصغار والضعفاء. ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- راعٍ وهادٍ ومعلم ومربٍّ، فهو أولى الناس بالسماحة واليسر والإغضاء، وكل أصحاب الدعوة مأمورون بما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالتعامل مع النفوس البشرية لهدايتها يقتضي سعة صدر، وسماحة طبع، ويسرًا وتيسيرًا في غير تهاون ولا تفريط في دين الله، وأمر بالعرف: هو الخير المعروف الواضح السليم الذي تقبله الفطر السليمة والنفوس المستقيمة، والنفس حين تعتاد هذا المعروف، فإنها تكون بعد ذلك مطواعًا لألوان من الخير دون تكليف، فرياضة النفوس أولًا تقتضي أخذها بالميسور المعروف شيئًا فشيئًا إلى حد التمام.

وأعرض عن الجاهلين: من الجهالة ضد الرشد، والجهالة ضد العلم، وهما قريب من قريب.

والإعراض يكون بالترك والإهمال، وعدم الدخول معهم في جدال لا ينتهي إلى شيء إلا الشد والجذب، وإضاعة الوقت والجهد، بل إن الإعراض والسكوت عنهم كما هو صريح الآية قد يؤدي إلى تذليل نفوسهم وترويضها، بدلًا من الفحش في الرد، واللجاج في العناد، فإن لم يؤدِّ إلى هذا فإنه يعزلهم عن الآخرين الذين في قلوبهم خير، وما أجدر صاحب الدعوة أن يتبع هذا التوجيه الرباني العليم بدخائل النفوس.

ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشر، وقد يثور غضبه على جهالة الجهال، وسفاهة السفهاء، وحمق الحمقى ولنعلم جميعًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قدر عليها، فقد يعجز عنها من وراءه من أصحاب الدعوة، وعند الغضب ينزغ الشيطان في النفس، وهي ثائرة هائجة مفقودة الزمام؛ لذا يأمره ربه أن يستعيذ بالله. ا.هـ. [الظلال 3/1419] .

وقال -تعالى-: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل125، لنعلم أن الدعوة، دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس له إلا تأدية واجب لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله.

الدعوة بالحكمة: إن النظر في أحوال المخاطبين وظروفهم وفي القدر الذي بينه لهم في كل مرة حتى لا يُثقل عليهم وفي الطريقة التي يخاطبهم بها والتنويع في هذه الطريقة تكون حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.

الموعظة الحسنة: بعدم فضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية، والإتيان بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ، فإن الرفق في الموعظة كثيرًا ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة.

الجدل بالتي هي أحسن: أن يكون بلا تحامل ولا ترذيل له ولا تقبيح، وفائدته:

أ - اطمئنان المدعو وشعوره بأن هدف الداعي هو الوصول إلى الحق، ليس الغلبة وهزيمة الآخرين.

ب - أنه يطامن من الكبرياء الحساسة والعناد والجدل وشعوره بأن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، ولما كانت النفس البشرية تعد تنازلها عن الرأي تنازلًا عن هيبتها واحترامها وكيانها؛ حفظ الله لها ذلك فأمر جدالها بالحسنى.

إنه خوف من اندفاع الداعية بحماسه، أرشدنا إلى الفصل في مسألة مهمة، وهي:

الداعية إذا لم يجد تجاوبًا من المدعو، كيف يكون العمل؟

الله هو الأعلم بمن ضل عن سبيله وهو الأعلم بالمهتدين، فلا ضرورة للحاجة في الجدل، إنما هو البيان والبلاغ والأمر بعد ذلك كله لله. [الظلال بتصرف 4/2201-2202] .

والله -جل جلاله- قد أبان ذلك في كتابه، فقال: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } المائدة41، وقال: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } فاطر8، وقال: {اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ,مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } المائدة99,98.

ذكر بعض الأحاديث الواردة في ذلك والتعليق عليها:

أخلاق الداعية:

عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"ثلاث مهلكات وثلاث منجيات:"

ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المر بنفسه.

وثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا"حديث حسن، أخرجه البزار والبيهقي والطبراني وغيرهم. [الترغيب 1/286، 3/381] ، [الصحيحة 4/412] (1802) ."

إن الأخلاق المشار إليها هي النبائل كلها، والفضائل جمعاء، هي البعد عن كل سوء، والقرب من كل خير.

ومن الأخلاق السيئة التي ينبغي تجنبها: إعجاب المرء بنفسه! ويزيد ذلك سوءًا إذا وافقه جهل من البعض، فيتّبعون هذا المُعجَب بنفسه -عياذًا بالله-، علمًا أنّ مثل الاتباع وحده عند كثير من العلماء الربانيين، مكروه مُستقبَح، فلقد رأى عاصم بن ضمرة قومًا يتبعون رجلًا، فقال:"إنها فتنة للمتبوع؟ مَذلّة للتابع" [أخرجه أحمد في العلل 2/16] .

فكيف بمُعجَب بنفسه، يطعن بغيره، ليكثِّر أتباعه! فمثل هذا يجمع سوءًا على سوء على سوء!!

فأخلاق الداعية الفاضلة تدفعه دفعًا حثيثًا لأن يحافظ على:

سياج الدعوة:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"لا يَفْرُك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر" [حديث صحيح، أخرجه مسلم 1469] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت