فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 788

كما كان السلف الصالح من أحرص الناس على اغتنام أوقاتهم، فمن أقوالهم الشهيرة في هذا الصدد:"الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، أي إن لم تقطعه باستخدامه بالعمل المبرور والسعي المشكور قطعك بالذل والخسران والضياع والهوان، وقال الحسن البصري - يرحمه الله - وهو يحض على العمل واغتنام فرصة العمر القليلة:"يا بن آدم أنت أيام، كلما ذهب يوم منها ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب بعضك أن يذهب كلك وأنت لا تعلم، فاعمل، فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل"•

* التلفاز وقتل الوقت

وحياة المسلمين المعاصرة تتغاير كليا وجزئيا مع هذه التعليمات القرآنية والنبوية الخاصة بتعظيم الوقت وحسن إدارته، فأوقات المسلمين مهدرة، وقد وجدنا أكثرهم يتفنن في تضييع وقته بوسائل عدة أشهرها التلفاز الذي يعمل على مدى 24 ساعة•

فالتلفاز من الآفات الحديثة التي تقتل الوقت من دون أن يشعر به صاحبه، وقد أظهرت دراسة تعتبر الأولى من نوعها عن"موازنة الوقت لدى المصريين"قدمها مركز الأبحاث الجنائية تذكر أن التلفاز أهم ما يشغل الأسرة المصرية في الإجازات الأسبوعية والسنوية، وأنه يلتهم أوقات الفراغ، وتشير بعض الإحصاءات إلى أن الإنسان عندما يبلغ العشرين من العمر يكون قد استهلك من عمره ما لا يقل عن عشرين ألف ساعة بث تلفازي، وقد لا يعني هذا العدد من الساعات شيئًا، إلا إذا علمنا بأن عدد الساعات التي يحتاجها الدارس لنيل درجة البكالوريوس هي في حدود خمسة آلاف ساعة، وأن عشرة آلاف ساعة من الدراسة تكفي لتحقيق أعظم الأحلام في الحصول على أعلى شهادات وتعلم لغات، بل دراسة الكثير مما كتب في العلوم والآداب•

وقصة الكتاب الشهير لأحد الاقتصاديين الألمان الذي سماه"خمس دقائق قبل الطعام"وسر شهرته المتعلقة بكتابه، جاء من كونه استغل الدقائق الخمس التي كان يجلس فيها إلى مائدة الطعام منتظرًا فيها زوجته، وهي تعد وتضع معدات ومواد الطعام على المنضدة، ففكر في ألا يضيع هذا الوقت في الانتظار من دون عمل، فكتب الخواطر الفكرية التي تلمس عقله ووجدانه خلال دقائق الانتظار•• وكان من نتائج هذه الدقائق الخمس هذا الكتاب الشهير• (6)

* الوقت الضائع

وإذا نظرنا في واقعنا اليوم نجد أن الوقت الضائع في حياة المسلمين يمثل حجمًا كبيرًا جدًا، فنجد العدد الكبير من الناس جالسًا في كثير من الدوائر ينتظر إنهاء معاملته، ونجد الموظفين الذين يقتلون وقتهم بقراءة الصحف والاسترخاء والعبث دون مبالاة بالوقت الضائع منهم ومن أصحاب الحاجات• ثم تجد الارتجال والسلوك غير الواعي في تعطيل أنشطة الأمة ومصالحها تحت شعارات الوطنية•

لقد بلغ عدد أيام الدراسة في بعض الأقطار خمسة وأربعين يومًا فقط خلال السنة كلها• وباقي الأيام ذهبت في المظاهرات واللهو والصخب والعبث، من دون أن يعود ذلك على الأمة بشيء من الخير• ونحن اليوم نحصد ما نلقاه من هزائم وهوان لم يكن إلا حصاد سنين طويلة مرت بنا ضاع فيها الجهد وضاع فيها الوقت•

ولذلك نعيد ونؤكد أهمية على الوقت في الإسلام وأهمية تنظيمه في حياة الأمة، ونؤكد مسئولية الدعوة الإسلامية على تدريب أبنائها على احترام الوقت والاستفادة منه على أحسن وجه ممكن من خلال الإدارة والنظام والنهج والتخطيط • (7)

* استثمار فائض الوقت

إن المسلمين اليوم قد تأخروا عن ركب الحضارة والتقدم وصاروا في مؤخرة الركب، وهم في حاجة ماسة ليعلموا قيمة الوقت، ويستثمروا فائض هذا الوقت في حياتهم، ويدركوا قيمة العمل، فالأمة التي تجعل العمل من مقومات وجودها، وهدفًا أساسيًا لها في الحياة لن تحصد ـ بفضل الله بعملها ـ إلا مجدًا باهرًا، وازدهارًا ساطعًا•

ومن المهارات التي يجب أن ندرسها في حياتنا ونتعلمها جميعا وتصبح مادة أساسية في مناهج التعليم مهارة تنظيم الوقت، وقد يتبادر الى ذهن المرء أن تنظيم الوقت معناه أن نجعل حياتنا كلها جادة لا وقت للراحة فيها، وهذا المفهوم خاطئ، فالوقت منظَّم أصلًا، فالدقيقة مقسمة إلى (60) ثانية، والساعة تساوي (60) دقيقة واليوم يساوي (24) ساعة وهكذا، إذًا الوقت مقسَّم ومنظم تنظيمًا جيدًا، ومن ينظم وقته يكون فعالًا ويستفيد بشكل كبير من تنظيمه للوقت، أما من لا يستفيد من تنظيمه للوقت فتراه مشغولًا في طاحونة الحياة، يكدّ ويعمل بلا راحة وقد يحس بالملل لأنه لا يعرف ماذا يفعل في فراغه الكبير، أو أنه متخبط في أعمال قليلة الأهمية•

وإذا بدأ أي شخص بتنظيم وقته بطريقة فعالة فسيحصل على نتائج فورية، مثل زيادة الفعالية في العمل والمنزل، وتحقيق الأهداف المنشودة بطريقة أفضل وأسرع•

وتنظيم الوقت لا يعني الجد بلا راحة، وإنما يعني المزيد من السعادة والسيطرة على الظروف المحيطة بنا، بدل من أن تسيطر علينا وتحرمنا السعادة•

فالمسلم اليوم مطالب بأن يأخذ بزمام المبادرة ويبدأ في التفكير الجدي حول حياته وكيف يديرها ويقودها نحو ما يهدف إليه، وحتى ينظم وقته يجب عليه أن يكون صاحب أهداف وتخطيط، وإن لم يكن لديه أهداف فلا فائدة من تنظيم الوقت•

إن جهدًا كبيرًا في حياة الأمة يُهدر فيما لا طائل منه، في فوضى ولهو وعبث، وسوء إدارة ونظام، ولقد نشرت دراسات حول طاقة الإنتاج في دول متعددة، فكانت دول العالم الثالث والعالم العربي الأضعف إنتاجًا• فلو فرضنًا أن ساعات العمل ثماني ساعات كانت الإحصائية تشير إلى أن ساعات الإنتاج هي ساعة واحدة، والساعات الضائعة سبع، وأما لدى الدول الأخرى فكانت ساعات الإنتاج ضعف ساعات العمل أو أقل من ذلك•

ونرى من ذلك الوقت الكبير الذي يهدر في حياة المسلمين، والجهود الكثيرة التي تتبعثر وتضيع، وأثر ذلك في جميع نواحي حياة المسلمين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها• (8)

إن المجتمع الغربي وما يعتنق من مذاهب بشرية يقدر الوقت ويزنه بميزان مادي دنيوي هابط، ولكنه يوفر الحافز المادي للإنتاج• أما الإسلام فينظر للوقت نظرة أخرى، نظرة أسمى وأصدق وأعدل، فالمال الذي يضيع من الإنسان قد ييسر الله لك استعادته بفضله وعونه وعملك الدؤوب، وأما الدقيقة التي تمر فلن تعود ولن تستعاد، وهذه سنة الله في الزمن وفي الحياة الدنيا•

ولا يريد الإسلام من أبنائه أن يهدروا الوقت في اللهو والسمر الضائع، كما هو حادث في واقعنا اليوم، حتى درج على الألسنة أن يقول الرجل لصاحبه: (تعال نقتل الوقت أو نضيع الوقت) ! ويقتلون الوقت فعلًا (بالنرد) أولعب (الورق) وغيرها مما لا يقدم للأمة خيرًا والأمة اليوم في أسوأ مراحل تاريخها، إنهم لا يقتلون الوقت، بل يقتلون الأمة ويقتلون أنفسهم•

والإسلام يريد من أبنائه أن يروِّحوا عن أنفسهم بين الحين والآخر، حتى يستعيد المسلم نشاطه وقوته، من دون أن يبالغ في الترويح عن النفس حتى يضيع الوقت أو يقع في الإثم•

وينهى الإسلام عن كل ما يضيع المسلم من وقت، فقد نهى عن الجدل والقيل والقال، والشقاق والتدابر والشحناء• ودعا إلى كل ما يجمع الجهود ويصون الوقت•

وحين حرص المسلمون على الوقت، ونظَّموا حياتهم كما يأمرهم الإسلام أنجزوا ما لم تنجزه أمة في التاريخ، ففي حدود عشرين عامًا منذ بدء الدعوة الإسلامية دانت الجزيرة العربية كلها للإسلام، وأخذ المسلمون يستعدون للتصدي للظالمين المعتدين من الرومان والفرس، ثم امتدت الدعوة في الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا خلال فترة قصيرة توالت الانتصارات فيها•

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت