كما تم في الخامس عشر من يناير الماضي الإعلان عن تأسيس مؤسسة الضوء والصحة الأميركية في ولاية أوهايو الأميركية، كمؤسسة داعمة للأبحاث والتثقيف الصحي حول مخاطر استخدام الإضاءة المنزلية أو المكتبية المعتادة على صحة الناس. والإخلال بإفراز الجسم لهرمون ميلاتونين له أضرار صحية استفاضت الدراسات العلمية في شرحها، كما أن استخدام أنواع من المصابيح للإضاءة ذات قدرات على الحد من التأثيرات السيئة للأشعة ذات اللون الأزرق، المثبطة لإفراز ميلاتونين، يُمكنه أن يُسهم في تخفيف تلك المخاطر. وتتعدى الجهود الصحية اليوم جوانب المصابيح وعدسات النظارات الحاجبة للأشعة الزرقاء، وصولًا الى تصفية وترشيح إصدار شاشات الكومبيوتر والتلفزيون لتلك الأشعة الزرقاء.
* الوقت والشمس يتم عادة، كما هو معلوم، ضبط الساعات اليومية وفق نظام المناطق حسب توقيت غرينتش تبعًا لاختلاف خطوط الطول في الكرة الأرضية، بخلاف ما كان في السابق من طريقة حساب بدء اليوم من شروق الشمس. ولذا فإن ثمة تباينا دائما بين تأثير ضوء النهار وظلمة الليل على أنظمة عمل أعضاء الجسم وبين تأثير مرور ساعات الوقت اليومي بالعرف الاجتماعي المتفق عليه. وهو تباين يستمر كل يوم طوال أيام السنة. وعلى سبيل المثال فإن ثمة مدنًا مكتظة بالملايين من الناس الذين يُوافق منتصف الليل فعليًا عدة ساعات قبل أو بعد منتصف الليل بحساب الساعات المعمول بها.
ويرى كثير من الباحثين أن هذا التباين والاختلاف، الذي يقع جسم الإنسان وأنظمة أجهزته الحيوية فيه، له تأثيرات على التصرفات البشرية اليومية وسلوكياتهم بما يُخالف ما يجري داخل أجسامهم ومحاولات أجهزته تهيئة ما يُساعد الإنسان وجسمه في إتمام ما هو مطلوب من الإنسان فعله في النهار أو الليل. وهذا ما حاول الباحثون دراسته. وفي سبيل ذلك تم تقويم النشاط اليومي للإنسان وفق طريقة حساب الساعات المعروف، حيث طُلب من مجموعة المشمولين في الدراسة الإجابة عن عدة أسئلة تتعلق بأنشطتهم اليومية وعاداتهم خلال فترات العمل وفترات الراحة بعده. وقام الباحثون بمقارنة نتائج إجابات أكثر من 21 ألف شخص يقطنون مناطق مختلفة من ناحية المواقع الجغرافية، بالإضافة الى أن المقارنة أخذت بعين الاعتبار حجم المدن وتعداد سكانها، بدءا من التي عدد سكانها أقل من 300 ألف نسمة والتدرج فيما هو أعلى من ذلك للمدن الأكبر.
ولاحظ الباحثون أن من يقطنون مدنًا أقل في عدد السكان هم أقرب الى أن توافق أنشطة حياتهم اليومية وسلوكياتها تغيرات الوقت في التوقيت الشمسي. في حين أنه كلما ارتفع عدد السكان كلما قل الالتصاق والترابط بين السلوكيات والأنشطة البشرية وبين نظام الشروق والغروب الشمسي.
* إيقاع لضبط الجسم والإيقاع الدوري طوال اليومcircadian rhythm هو دورة مدتها حوالي 24 ساعة يمر بها الجسم بكامل أعضائه وأنظمته البيولوجية الحيوية. وهو خاصية معنوية لكل الخلائق من ميكروبات ونباتات وحيوانات وإنسان. ويظهر الإيقاع داخليًا وفق انضباط لأنظمة أجسام الخلائق مع متغيرات خارجية ثابتة، وأهمها ضوء الشمس ودرجة حرارة الجو. ولذا فإن ملاحظتها تضبط وجود أنظمة من الساعات البيولوجية في أجسام الخلائق تلك.
ولعل من أوائل تلك الملاحظات هو ما رصده أحد العلماء الفرنسيين في القرن السابع عشر حول توجه أوراق الأشجار طوال اليوم نحو مصدر أشعة الشمس. ثم توالت تلك الاكتشافات حتى تعمق علم الطب في فهم أنظمة أعضاء شتى في الجسم تخضع لهذا الإيقاع الدوري من ناحية عملها أو خمولها. ومما يتبادر للذهن أن أهمية الساعات البيولوجية في الجسم وأنظمة الإيقاع الدوري اليومي هي في أنظمة النوم والاستيقاظ وفي وتيرة الأكل والشرب. لكن التعمق في البحث والدراسة دل على أن أهميتها تتجاوز ذلك بمراحل لتشمل أنشطة سريان الموجات الكهربائية في الدماغ، إضافة الى أنظمة إنتاج وإفراز الهرمونات الضابطة للكثير جدًا من العمليات الكيميائية الحيوية في الجسم، وكذلك في انقسام خلايا الجسم وتجددها وإزالة التالف والهرم منها، وغير ذلك.
ودلت كثير من التجارب على أن البقاء إما في الظلام المُطلق أو الضوء المُطلق يؤدي الى حدوث خلل بالغ في توازن عمليات حيوية شتى في الجسم. والسبب في أن هذا الإيقاع ليس ثابتًا بمقدار 24 ساعة تامة، هو إعطاء الفرص للجسم كي يتكيف مع تغيرات مقدار طول اليوم أو قصره بتغير فصول السنة.
ويرى الباحثون أن أهمية هذا الجانب من نواحي صحة الإنسان تتجاوز اضطرابات النوم عند السفر أو تغير نوبات العمل أو غيرها من الاضطرابات خارج الدماغ، لتصل الى مسائل تخص صميم الصحة وظهور الأمراض عند عدم اتباع تلبية حاجات الجسم من ممارسة نظام للحياة اليومية يتوافق مع الآليات التي يفهمها الجسم، وتعمل بالتالي أعضاؤه وأنظمته الحيوية بموجبها. ويكثر الحديث عن دور ممارسة الاختلال اليومي في رفع احتمالات الإصابة بأمراض شرايين القلب ومسبباته من السكري وغيره، بالإضافة الى اختلاف مقدار ضغط الدم في الصباح والمساء، واختلاف ذلك الاختلاف في أيام الصيف عنها في أيام الشتاء، وهو ما فصلت الحديث عنه في إحدى الاستشارات الطبية قبل بضعة أشهر. وكذلك عن أهمية تناول أدوية معالجة أمراض القلب مثل مثبطات تحويل أنزيم أنجيوتنسن في أوقات معينة من اليوم للتخفيف من ارتفاع ضغط الدم وإعادة توازن بنية عضلة القلب في حجراته المختلفة. وما يُقال هو أن رفع فاعلية الدواء وتقليل احتمالات ظهور الآثار الجانبية له أو التفاعلات العكسية لتناوله مرتبطة بالوقت الذي يتناول المريض فيه دواءه ذلك.
* دماغ النهار والليل ويقع مركز الساعة الإيقاعية البيولوجية في جسم الإنسان، وكذلك في جسم الثدييات، في كتلة عصبية لا يتجاوز عدد خلاياها العشرين ألفا، تُسمى النواة الواقعة فوق تقاطع الأعصاب البصرية، في منطقة من الدماغ تُدعى بالمهاد hypothalamus. وتقع منطقة المهاد في قاع الدماغ، أي أن النواة تلك هي تحديدًا فوق منطقة تقاطع الأعصاب البصرية، وتتلقى من طبقة خلايا الشبكية في العينين مباشرة معلوماتها عن الليل والنهار والظلمة والنور.
لكن ليس هذا هو نهاية القصة، إذ إن ثمة عوامل أخرى تهب المعرفة بالوقت للإنسان أو غيره من المخلوقات الكبيرة أو الدقيقة. ولذا فإن من حُرموا من نعمة البصر لم تُحرم أجسامهم وخلاياها من نعمة معرفة الزمن والساعة البيولوجية.