فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 788

إن طول المدى الزمني يتيح لنا أن نتعامل مع متغيرات عديدة لا تتيحها لنا النظرة القريبة, فحينما نريد أن نقيم مشروعًا دعويًا, سنجد أنه يحتاج إلى جهود إصلاحية ومشاريع إعلامية متميزة, ويحتاج إلى مدارس متميزة وعلماء, فإذا كنا سنعمل على مدىً زمني بعيد فبإمكاننا حينئذ أن تدخل كل هذه المتغيرات.

حين نحتاج إلى إعلام إسلامي ولانملك مختصين يمكن أن نوجه عددًا من الخريجين فيتخصصوا تخصصات إعلامية ، وبعد سنوات سنملك عددًا يمكن ان يُدرّبوا غيرهم ، وهكذا في سائر التخصصات .

المؤسسة التجارية التي تستهدف تحقيق ربح, وحضور في السوق التجاري, لا يمكن أن تربح بين يوم وليلة, فهذه المؤسسة وإن كانت تملك عاملين لهم ولاء خاص للمؤسسة؛ لكن ضعف المهارة في التسويق وضعف الخبرة الإدارية سيؤثر على إنتاجهم، وسيؤثر على موقع هذه الشركة في ظل هذا السوق الذي هو تسود فيه حمى التنافس.

فإذا كان صاحب الشركة يفكر على مدى بعيد فإنه سيدرب هؤلاء كل على حسب حاجته فمن كان يحتاج إلى لغة أُعطي دورات في اللغة، ومن كان يحتاج أن يتدرب على الحاسب الآلي دُرِّب عليه، أو مهارات علاقات عامة أو تسويق أو استقطاب أفراد عملاء, إنه حين يفكر على مدى عشر سنوات أو أكثر فإنه سيستطيع أن يوجد طاقات، وتكون أمامه متغيرات عديدة يستطيع أن يتحرك من خلالها، خلافا لما لو كان ينظر إلى اللحظة الحاضرة.

الواقع المعاصر لم يكن وليد لحظة

إن الواقع الذي نعيشه اليوم وهو واقع غير مرضٍ, ويحتاج إلى إصلاح وتغيير، ليس هو نتاج حدث عابر أو عامل واحد.

إنك لو سألت طائفة من الناس: ما سبب تخلف المسلمين؟ فسوف تجد إجابات متعددة، وكل إجابة لها ما يؤيدها من الواقع، لقد اجتمع هذا العامل والثاني والثالث مع العامل الزمني فأدى إلى تخلف المسلمين, فالتغير إنما حصل من خلال عوامل وأثر تراكمي, ومن خلال فترة زمنية طويلة.

وحين نريد إصلاح هذا التغير الذي تم خلال عقود متطاولة، ونتاج عوامل عدة، فلا يمكن أن يتحقق ذلك في فترة محدودة، وليس حتما أن نعطي مشروع الإصلاح المدى الزمني الذي استغرقه مشروع الفساد والتغيير، ولكن على الأقل أن يتناسب معه.

فالمفاهيم والقيم المنحرفة السائدة لدى المسلمين لم تأت مرة واحدة، ولم تكن نتاج فيلم شاهده الناس فغير حياتهم, أو موقفا رأوه في السوق والشارع.

دعوني أضرب لكم مثالًا:

من القيم السائدة اليوم في مجتمعات المسلمين بين الشباب المراهقين والفتيات المراهقات أن الشاب أو الفتاة حينما يصل إلى مرحلة المراهقة لا بد أن يخوض تجربة يسميها"تجربة الحب"مع طرف آخر، وتبدأ هذه القصة ثم تمتد على علاقات عاطفية، وفي النهاية تكون هي نواة مشروع الزواج.

شعور الإنسان بالحب في قلبه أمر لا يلام عليه ، لكن الملامة أن تصبح مشروعًا من مشاريع الإنسان حينما يصل إلى هذه السن، فيظن أنه لا بد أن يحب فتاةً ثم يبني علاقة معها, وقطعًا سيقعون في أمور محرمة لما يحصل بينهم خلوة وغيرها.

هذا السلوك اليوم أصبح سلوكًا طبيعيًا عند الشباب والفتيات لا يشعرون تجاه بأي تأنيب للضمير.

هذه القيم السائدة في أوساط شباب وفتيات المسلمين لم تنشأ من خلال قراءة لرواية أو رؤية فيلم, بل من خلال أثر تراكمي طويل، بمجموعة أفلام يشاهدها في الإعلام، أو روايات وقصص يقرأها, أو أحاديث لزملائه وزميلاته, فلما اجتمعت هذه الأمور ولدت هذا التأثير التراكمي الذي استقر وشكل هذه القيمة.

فهل يمكن أن تتغير هذه القيم من خلال جمع مجموعة من الشباب وإخبارهم أن هذا السلوك خطأ ويجب تركه ؟

فإذا كنا نريد أن نصلح ونغير، فلا يشترط أن نعطي نفس المدى الزمني ونفس الزخم والمؤثرات, لكن على الأقل نحتاج إلى تنويع وسائل التأثير ونحتاج إلى مدى زمني يتناسب مع زخم هذه العوامل التي أدت إلى هذا الواقع.

آثار غياب البعد الزمني

حينما يغيب البعد الزمني في تفكيرنا, ولا ننظر إلا إلى اللحظة القريبة فإننا سنجني نتائج مرة وسيئة، نلحظها اليوم في الأنشطة الدعوية والمشروعات الإصلاحية القائمة في الأمة.

أولًا: الابتعاد عن الأعمال المنتجة العميقة الأثر

وذلك بالابتعاد والانصراف عن الأعمال تلك التي تحتاج إلى وقت وجهد في القيام بها, ولا تظهر آثارها في الزمن القريب، والاتجاه للاعتناء بالأعمال سريعة الأثر وقريبة النتائج.

فلو قيَّمت المشاريع الدعوية القائمة اليوم, لوجدت أن المشاريع التي تستهوي الشباب والناس عامة هي غالبًا المشاريع التي يظهر أثرها قريبًا.

فحينما تذهب إلى شباب يجلسون على الشاطئ أو على الأرصفة وتناصحهم ويستجيب لك واحد أو اثنان, أو حينما تذهب إلى مجموعة من الجاليات غير المسلمة وتدعوهم ويسلم واحد أو اثنان.., أو حينما تتحدث مع الناس حديثًا وعظيًا مؤثرًا ويستجيب لك الناس, هذه الأعمال - التي يكون أثرها سريعًا - هي التي تستهوينا كثيرًا وتلقى رواجًا.

ونحن لا نعترض عليها بل لابد منها, وغيابها غير صحيح, لكنا نعترض على غياب المشروعات البعيدة الأثر في الأمة .

الأمة اليوم تحتاج إلى عمل إعلامي يتناسب مع الزخم الذي تواجهه.

المنتج الإعلامي - الدعوي - لا يزال محدودًا وضعيفًا وهشًا رغم العمر الطويل للصحوة الإسلامية، ومصدر ذلك ليس غياب الداعية الغيور، ولكن طريقة التفكير التي تريد العمل القريب الذي تلمس آثاره قريبًا، والعمل الإعلامي يحتاج إلى أوقات ومتخصصين وخبرات لا تتاح في الزمن القريب.

مثال آخر: حين تصلي في أحد المساجد في رمضان يغلب أن تجد من يقف عند الأبواب لجمع التبرعات للمشاريع الدعوية, وهذه ظاهرة جيدة وصحية، لكن إلى متى يقتصر تمويل مشاريعنا الدعوية والإصلاحية على تبرعات الناس؟ لماذا لا يكون هناك تفكير في مشروعات استثمارية قوية تخدم الدعوة؟ وهذا لا شك أنه لا يمكن أن يتم بين يوم وليلة، لأنه يحتاج إلى تدريب أناس متخصصين، وبذل جهود كبيرة، ووقت يطول على المتعجلين.

أين نحن من المشاريع الاجتماعية التي تستهدف تغييرًا وإصلاحًا اجتماعيًا؟ بل أين نحن من المشروعات التربوية حيث نعاني اليوم من مستوى تعليم ضعيف متخلف, وكذا نعاني من تربية هشة, وضعف في بناء الأسرة؟ إن ذلك كله لا يمكن أن يتم في زمن يتفق مع مدى تفكيرنا.

ثانيًا: غياب الرؤية البعيدة والنظر العميق للواقع

من نتائج غياب البعد الزمني فقد الرؤية البعيدة، وغياب النظر العميق للواقع، وعدم دراسة المتغيرات التي تحكمه، وهذا يجعلنا دائمًا نقع أمام مفاجآت ولا نتنبأ بالمشكلات التي تحصل في مجتمعاتنا، فضلا عن أن نفكر في الإعداد لها ومواجهتها بطريقة صحيحة.

حينما تدرس ظاهرة السفور, فهل ترى أنها بدأت حين ألقت النسوة المتمردات على شرع الله حجابهن في ميدان التحرير؟ أم أنه تلك الخطوة كانت تتويجا لتغير بدأ ينخر في المجتمع منذ عقود؟

إن هناك تغييرات هائلة تحصل في داخل المجتمع لا نبصرها بنظرتنا القاصرة, وإنما نصطدم أمام المفاجأة فحسب.

كاتب ينشر مقالًا يتهجم فيه على الحجاب, يولد لدينا ردة فعل جامحة، لكن أين نحن من التأثر والتغير البطيء ، ولماذا لا نلتفت إليه؟

وحتى حينما نحلل مشكلة من المشكلات, فإننا ننسبها إلى عوامل قريبة ومحدودة، وننسى الخلفية والأرضية التي هيأت لها.

وحين ننتقل إلى مستوى أعلى من ذلك فإنه يغيب كثيرا عن حديثنا أن ندرس العوامل التي تؤثر في المجتمع، وحركة التغيير فيه.

ومن باب أولى لا يمكن أن نتنبأ بما سيحصل في المستقبل.

ثالثًا:غياب الأولويات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت