نعم يعيشُ المسلمون هذا ويَرونَهُ بأمِّ أعينهم، ولا يجهلونَ شيئًا من ذلك، ويعلمون يقينًا أنَّ التغييرَ الذي طالَ على غيرِهم سيُطالُ عليهم، ويُطالُ على بلادهم بلا شكٍ، ويسمعونَ التقاريرَ التي تُنشرُ من الإداراتِ التابعةِ لأمريكا بين الحينِ والآخر، بالضغطِ على الشعوبِ المسلمةِ، التي تُفَرِّخ الإرهابَ وتُشجعُه، وخاصةً هذا البلدُ المبارك، مأوى العلمِ ومأرَزُ الإيمانِ، ومصدرُ المجاهدين، وفي أمنِيَّاتهِ يعيشُ العلماءَ الصادقون، والدعاةُ المصلِحُون، والأبطالَ الغيورين، ولذا فستُفرِضُ أمريكا مطالبها على هذا البلدِ، والتي باحت بها ألسنتهم وتقاريرهم، فمِن مطالِبهم، نشرَ التسامحَ الديني ، بإقامةِ الكنائسِ والمعابدِ للأديانِ الأُخرى، ومن مطالبهم إعادةُ النظرِ في المناهجِ التعليميةِ، وإعادةُ صياغتها، وتقليلُ حدَّةِ العداءِ من الكافرين، وإذابةُ عقيدةَ الولاءِ والبراءِ ، وحذفُ ما يتعلقُ بالجهادِ والمجاهدين، ويبارِكُ هذا المخططِ، أفراخُ الاستعمار، من أهل العلمنةِ في كلِّ ميادينهم، ومنها اللقاءاتِ والحواراتِ، والمُهاتراتِ الصحفيةِ، فيقولُ قائِلُهم عليه من اللهِ ما يستحق، يجبُ علينا أن نُعيدَ النظرِ في تفسيرِ النصوصِ المقدسةِ، حتى لا تولدَ الإرهابُ .
ومن مطالبهم أيضًا، تغريبُ المرأةِ ونزعِ حجابها، وإقحامِها في ميادينِ الرجالِ سافرةً، غيرَ محتشمةً، ويُباركُ هذا أيضًا، أفراخُ الاستعمارِ مرةً أُخرى، ومن مطالِبهم الإجهازُ على المؤسساتِ الخيريةِ الدعويةِ، واعتبارِها منظماتٍ إرهابيةٍ، وتقليصِ نشاطها، ليبقى نشاطًا إغاثيًا فحسب، إلى غيرِ ذلك من إزهاقِ الروحِ الإسلاميةِ لهذا البلدِ المُبارك، ونحنُ أيَّها الإخوةُ في الله، لا نستغربُ ذلكَ منهم، بل لا نتوقعُ منهم إلاَّ ذلك، كيفَ لا وقد أخبرَنا رَبُنا تبارك وتعالى عن ذلك، فقالَ: (( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) ) (البقرة: من الآية217) وأنبأنا سبحانهُ عن مساعِيهم في كلِ زمانٍ ومكان، فقالَ: (( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ) ) (النساء: من الآية89) ونعلمُ يقينًا أنَّ هذا الكلامُ الذي يخرجُ من أفواههم ما هو إلا بعضُ ما في قلوبهم، وصدقَ اللهُ إذ يقولُ: (( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) ) (آل عمران: من الآية118) .
نعم لا نستغربُ ذلك ولكن تُصيبُنا الدهشةَ ؟، وتعقِدُ ألسنتَنَا الحسرةُ، ما نراهُ من المسلمين إلاَّ من رحمَ اللهُ مِن بُرودةِ أعصابٍ، وموتٍ للقلبِ، وغفلةٍ تامةٍ في كافةِ الميادينِ والأصعدةِ ، وهُم يرونَ هذا الكيدَ يحيقُ بهم من كل جانب، يرونَ دينهم تَطالُهُ أيدي المجرمين والكافرين، ويرونَ أعراضهم تُنتهكُ هُنا وهُناك، وهم يعيشُون لأنفسهم، والمهتَّمُ منهم من يُتابعُ الأخبارَ كلَّ صباحٍ ومساء ، ثمَّ هو بعدَ ذلك غارقٌ في لهوهِ وضياعه .
أينَ شبابَ الأمةِ الذين ذابوا تقليدًا للشرقِ والغربِ ؟
أينَ شبابَ الأمةِ الذين ضاعوا في عالمِ المخدراتِ والمسكرات ؟
أينَ شبابَ الأمةِ الذين لا همَّ لأحدهم إلاَّ الصورةَ الفاتنةَ والأغنيةَ الماجنةَ ؟
أينَ شبابَ الأمةِ الذين مُزِقَتْ طُموحاتهم وتطلُعاتِهم على مُدرَّجاتِ الملاعبِ وساحةِ الاستعراض ؟
أينَ شبابَ الأمةِ الذين نُحرت بُطُولاتِهم وغيرتَهُم على هذا الدين؟ على أعتابِ شاشاتِ القنواتِ الفضائيةِ والمحطاتِ الإباحيةِ .
أينَ شبابَ الأمةِ الذين كانوا في السابقِ يحمون البلادَ، يذودونَ عن الدين ويرخصون دماءَهم ليبقى الدين كله لله ؟
إلى هذا الحدِّ صاروا، وإلى هذا المستوى من موتِ القلب والغفلةِ وصلوا، لا ننسى أبدًا، ولن ينسى المسلمون، ولن ينسى التاريخُ ، ولن يغفرها الزمن، تلك الجماهيرُ المشجعةِ، والذين زادَ عددُهم على خمسين ألفَ مشجعٍ ، وفي المقاهي ما يُضاهي ذلك، وتتعالى صيحاتُ المشجعين، وتصفيقُ المشاهدينَ على مباراتهم، بينما يعلقُ في غضونِ ذلك سقوطُ بغدادَ في أيدي القواتِ الأمريكيةِ الظالمة، ناهيك عن العروضِ التي قامَ بها الشبابُ بعد ذلك، من رقصاتٍ في قارعةِ الطرق، ورفعٌ لأعلامِ النوادي، بينما بغدادَ ترزحُ تحت ضيرِ الاستعمار الأمريكي .
يا لها من مأساةٍ!! ولمأساتنا في حالِنا، وما آلَ إليه شبابُنا وأبناءُ أمتنا، أشدَّ في نفُوسِنا من سُقوطِ بغداد، لأنَّه لو بقيت الغيرةُ والتضحيةُ في شبابنا، لقُلنا إن سقطت بغدادُ فيُوشَكُ أن تعُودَ، ولكن إذا سقط الشبابُ فمن سيُعيدُهم ؟؟
ولئِن كان أهلُ التاريخِ عابوا على علماءِ أهلَ الأندلسِ يومَ أن هاجمها الصليبيون، أنَّهم مشتغُلون بمسائلٍ فرعيةٍ فقهيةٍ نادرة، عن دفعِ العدوِ الجاثمِ على أرضهم، فكيفَ ستكونُ شهادةُ التاريخِ على هذه المأساةِ، في سقوطِ بغدادِ مع انشغالِ المسلمين.
من ينصُرُ هذا الدين إذا تخلى عنه أتباعُه ؟ عارٌ واللهِ يا أمةَ الإسلامِ أن تعيشَ اليهودُ وهُم أهلُ دينٍ مُحرفٍ باطل، هَمُهُم الحربُ والقتالُ، والدفاعُ عن مطالبهم وعقائِدهم ، ويحبذون الشباب لذلك ، ويعيشُ أحدُهُم ولا هَمَّ لهُ إلاَّ تقويةُ إسرائيلَ، وتحقيقِ أحلامها، ويبقى أهلُ الإسلامِ، أهلُ الحقِّ ، أهلُ الدِّينِ الخالدِ الحق، مشغولين بتوافهِ الأُمورِ، عارٌ واللهِ أن يعيشَ النصارى همَّ الحربِ، ويقُودُونَ الحربِ على المسلمين، وينادي طاغيةُ العصرِ بأنَّ الحربَ صليبيةٌ، ويلبسُ لباسَ الرهبانِ، حاثًا النصارى على إقامةِ الصلواتِ والدعوات، لكي ينتصروا في حربهم، وأن يبقى المسلمونَ أهلُّ الحقِّ، يلهثونَ وراءَ الأُغنيةِ والمجلةِ، والمعاكساتِ والمباريات، دونَ إعدادِ العُدةِ لصدِّ العدوِ، والذودُ عن حياضِ المسلمين .
أيَّها الإخوةُ: دَعُونا ننقُدُ أنفُسنا، دعُونا من الحُكوماتِ والسياساتِ، ماذا فعلت؟ لا بل نحنُ ماذا فعلنا قبلَ ذلك ؟ ما هُو مدى استعدادُنا لهذهِ الهجمةِ التي ستُطالُ كلَّ بلدٍ مسلم، وخاصةً هذا البلدُ المُبارك ؟ ما حجمُ الحدثِ وما حجمُ تفاعُلِنا معه ؟ دعُونا من إلقاءِ اللائمةِ على فلانٍ وفلان، أو على جهةٍ هُنا وهُناك، كلُّ إنسانٍ مسئولٌ عن نفسهِ ماذا فعلَ، ليُقاومُ هذا التيارُ النصرانيُّ الجارف ؟ إننا بكلِ صراحةٍ أيَّها الإخوةُ، نعيشُ في غفلةٍ تامةٍ ، ونتعامى عن الواقعِ، ونتشاغلُ عنه بتوافهِ الأُمورِ .
يا ويحَنا ماذا أصابَ رِجَالُنا *** أو ما لنا سَعدٌ ولا مِقدادُ
نامت ليالي الغافلين وليلُنا *** أرقٌ يُذيبُ قُلوبَنا وسُهادُ
سُلتْ سُيوفُ المعتدينَ وعَرْبَدت *** وسُيُوفُنا ضاقت با الأغمادُ
أهُو القُنوطُ يَهدُّ ركنَ عزيمتي *** وبهِ ظُلمَ مخاوفي تزدَادُ
يا ليلُ أمَّتِنَا الطويلُ متى نرى *** فجرًا تُفرَّدُ فوقَهُ الأمجادُ
أجدَادُنا كتبوا مآثرَ عِزِّها *** فمحا مآثِرُ عِزِّها الأحفادُ
ترعى حِماها كلَّ سائبةٍ وفي *** تمزِيقِها يتجمعُ الأضدَادُ
تُصغي لأُغنيةِ الهوى فنهارُهَا *** نومٌ ثقيلٌ والمساءُ سُادُ
دَعنَا نُسافِرُ في دُرُوبِ إبَائَنا *** ولنا من الهِمَمِ العظيمةِ زادُ
ميعادنا النصر المبين فإن يكن *** موتٌ فعند الهنا الميعاد
دعنا نمت حتى ننال شهادة *** فالموت في درب الهدى ميلاد