فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 788

ولهذا تجد الطالب الذي توافرت فيه هذه العناصر الثلاثة [الرغبة والإرادة والتنفيذ] يدير وقته إدارة من يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا، ويعمل لآخرته كأنه يموت غدا]

وقد كان سلف هذه الأمة من العلماء والمتعلمين، يقضون أوقاتهم في التعليم والتعلم والعمل، فحققوا لأنفسهم وللعالم السعادة بعمارة دنياهم وإقامة دينهم.

وكانوا يقصدون بتعلمهم وتعليمهم وعملهم وجه ربهم الذي بعونه أمدهم، وبتوفيقه أعانهم، فاستسهلوا بذلك الصعاب، وخفت على أجسامهم الأتعاب، واستنارت بضياء هداه الألباب.

ثم تتابعت بعدهم الأجيال، وتغيرت فيهم الأحوال، فقلت الرغبة والإرادة وضعف الإخلاص الاجتهاد، وانتشر الجهل والغفلة بين العباد، وصار طلب العلم لمتاع الدنيا وسيلة، ولم تعد له عند كثير من الطالبين ذلك القَدْر وتلك الفضيلة.

فثقل طلب العلم على كثير من المتعلمين والمتعلمات، وبرم بالتعليم كثير من المدرسين والمدرسات، وأصبحت النفوس تتمنى كثرة العطل والإجازات، فتحققت للجميع تلك الأمنيات...

وكذلك العاملون من سلف هذه الأمة في الوظائف العامة أو الخاصة، كان الإحسان الذي قال الله تعالى في أهله: (( إن الله يحب المحسنين ) )في أكثر من آية، منها الآية (134) من سورة المائدة.

وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [البخاري، برقم (4499) ومسلم، برقم (8) ]

وهو الذي كتبه الله تعالى على كل شيء، كما جاء في حديث شداد بن أوس قال اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته) [مسلم، برقم (1955) ] وغيره.

والإحسان كما يقول العلماء، هو إتقان الشيء والإتيان به على أكمل وجه.

هذا هو شأن المسلم، معلما ومتعلما، وموظفا عاما أو خاصا، يجتهد في إحسان عمله في كل أحواله، في حال سره وعلنه، لأن السر والعلن إنما يكونان مع المخلوقين، أما الخالق فالسر والعلن عنده سواء... (( والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ) ) [النحل (19) ]

وقد وضعت لكل العاملين أنظمة إجازات يتمتع كل منهم فيها بمدة معينة، بعيدا عن عمله، قد يكون فيها مسافرا في داخل بلده أو خارجها، وقد يكون مقيما بين أهله وأسرته.

وكثير من الناس يعتبرون هذه الإجازات أوقات فراغ عن العمل الجاد فيها، لأن وقت العمل قد حدد في غيرها... فيمضون أيامها ولياليها في نوم وكسل، أو لهو وخطل.

وهو اعتبار غير سليم وتصرف لا يخلو من سفه ذميم، لأن الأصل في كل لحظة من حياة الإنسان أن يستثمرها فيما يعود عليه وعلى أسرته وأمته بالربح والخيرات، وينجيه من الخسران والحسرات.

قال تعالى: (( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) ) [الحديد (21) ]

وقال تعالى: (( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ) ) [البقرة (148) ]

وقال تعالى: (( لكن الرسول والذين ءامنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ) ) [التوبة (88) ]

وقال تعالى: (( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) ) [الأنبياء (73) ]

ولعظمة الوقت وحرمته وكونه عمر الإنسان الذي يتعاطى فيه كل تصرفاته، أكثر تعالى من القسم به، وذكر أجزائه في مواضع متفرقة من كتابه، ليلفت نظر عباده إلى اغتنامه وعدم تفويت شيء منه في غير فائدة، أو استغلاله فيما يعود عليهم بالضرر في الدارين، وهذه أمثلة لذلك:

فمما ذكر تعالى الليل والنهار و الصبح و الضحى و بكرة والإبكار والظهيرة والعصر و العشي و الأصيل واليوم و الشهر والأشهر و الشهور و السنة والسنين والعام و الدهر و الساعة والحين والغسق والشمس والقمر،،،، وكثير منها تكرر كثيرا

وقد ربط الله كثيرا من الأحكام الشرعية العبادية والعادية بأوقات محددة، كالصلاة والصيام والحج ... وعِدد الطلاق، ومدة الحمل والرضاع... وغيرها

ويكفي أن نذكر ثلاثة أمثلة تدل على أهمية الوقت في حياة الإنسان:

المثال الأول: قوله تعالى: (( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ) [العصر]

فقد أقسم تعالى بالعصر ـ سواء كان الدهر كله، أو وقت العصر، أو صلاة العصر التي تؤدى فيه ـ ثم أتبع القسم بالإخبار بخسارة كل إنسان يوجد على ظهر الأرض، وأكد تلك الخسارة بثلاثة تأكيدات:

التأكيد الأول: القسم في قوله: (( والعصر ) )

والتأكيد الثاني: حرف"إن"وهي من المؤكدات في اللغة العربية.

والتأكيد الثالث: بحرف لام الابتداء الداخلة على خبر"إن"في قوله (( لفي ) )وهي من المؤكدات كذلك.

فالخسران ثابت لهذا الإنسان الذي يتقلب في هذا الزمن، ثباتا مؤكدا لا شك فيه، بمجرد ان يخبر الله تعالى به، لأن تخلف المخبر به لا يحصل إلا إذا جاز على من أخبر به الكذب، أو جاز العجز على من ينشئ المخبر به...

والله تعالى منزه عن الأمر، فقوله صدق لا يعتريه الكذب: (( ومن أصدق من الله قيلا ) )وهو تعالى لا يعجزه شيء، لأنه على كل شيء قدير، وهو إنما يقول للشيء (( كن فيكون ) )

ومع ذلك أكد حصول الخسران على كل إنسان بهذه التأكيدات، رحمة منه بهذا الإنسان ليأخذ الخبر مأخذ الجد، ويهتم بحماية نفسه من هذا الخسران.

ولا يحميه منه إلا الخصال الأربع التي استثنى الله تعالى أهلها في قوله: (( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) )

وكلها إنما تحدث في أول المؤكدات الثلاثة، وهو الزمن"العصر"والتقصير فيها أو في بعضها إنما يحصل فيه كذلك...وهذا يدل على أن الإنسان العاقل يحرص على استغلال الوقت في الأعمال النافعة، ويتجنب فيه الأعمال الضارة، لينجو من الخسران، وأن مَن نقص عقله يخرج عن هذا السبيل، فيملأ أوقاته بما يضره أو يضر غيره، أوبما لا فائدة له فيه.

المثال الثاني: قوله تعالى: (( والليل إذا يغشى(1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن سعيكم لشتى (4) [سورة الليل]

فقد أقسم تعالى بالليل والنهار [وهما ظرفان لسعي البشر] كما أقسم بنفسه، وهو الذي يحاسب على تصرفات المخلوقين، أقسم على إخباره تعالى بأن سعي الناس مختلف، منهم من يملأ أوقات عمره بالطاعات التي تقربه إلى الله، ومنهم من يملأها بالمعاصي التي تبعده عن خالقه... ثم فصل ذلك في بقية آيات السورة كما هو واضح.

المثال الثالث: (( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ) ) [فاطر (37) ]

يمنح الله تعالى الناس أزمانا يعيشون فيها في الدنيا، وهي أعمارهم التي يكلفهم فيها طاعته واجتناب معصيته، ثم يحاسبهم على أعمالهم يوم القيامة، فمن آمن به وأطاعه أدخله الجنة، ومن كفر به وعصاه أدخله النار...

وفي هذه الآية ذكر الله تعالى أن الكفار عندما يدخلون النار ويذوقون عذابه الشديد، ينادون بأصوات مرتفعة مستغيثين من ذلك العذاب، نادمين على الأوقات التي قضوها في معصية الله في الدنيا، طالبين الرجوع إليها، ليتداركوا ما فاتهم من العمل الصالح..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت