وهناك فروض الكفاية التي إذا قام بها طائفة من المسلمين قياما كافيا، سقطت عن غيرها، مثل إمامة المصلين في المساجد، وبيان الحلال والحرام للناس، وعلاج المرضى، وإطعام الجائعين...
وهناك التنافس في الطاعات - وإن لم تكن فرض عين ولا فرض كفاية - ينبغي للمسلم الحرص عليها والمنافسة فيها، كنوافل الصلاة الراتبة وغيرها، وبخاصة قيام الليل، والصيام وبخاصة يومي الإثنين والخميس، والأيام البيض، والصدقات وقراءة القرآن ... وغير ذلك.
قال تعالى: (( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ) ) [آل عمران (133) ]
وقال تعالى: (( والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون(60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) [المؤمنون]
وقال تعالى: (( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ) ) [البقرة (148) ]
وقد أثنى الله تعالى على عباده المؤمنين الذين، يهجرون مضاجعهم ليتقربوا إليه سبحانه ويقفوا بين يديه متضرعين، يخافون عذابه، ويطمعون في رحمته وثوابه، كما قال تعالى: (( إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون(15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون )) (17) [السجدة]
وقال تعالى: (( والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ) ) [الفرقان (64) ]
وهناك المباحات التي يتحول فعلها أو تركها عند المؤمن إلى طاعات وعبادات، فيستكثر من طاعات ربه وطلب ثوابه ومرضاته...
لقد جعل الله تعالى إتيان الرجل امرأته صدقة يكتب الله تعالى له به الثواب، كما يثيبه على ذكره من التهليل والتسبيح والتكبير، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه:
أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: (أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة) قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: ( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) [صحيح مسلم، برقم (1006)
فقد تعجب الصحابة رضي الله عنهم من كون أن الله يثيب الرجل على إتيان امرأته، لأنه من المباحات التي يشتهيها، وليس من العبادات التي كانوا يظنون أن الأجر لا يكون إلا عليها، كنوافل الصلاة والذكر ونحوهما...فأخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم، أن إتيان الحلال استغناء به عن الحرام يثيب الله صاحبه عليه...
ولما سئل معاذ بن جبل رضي الله عنه: كيف تقرأ القرآن؟ قال:"أقرأ وأنام، ثم أقوم فأتقوى بنومتي على قومتي ثم أحتسب نومتي بما أحتسب به قومتي" [صحيح ابن حبان (12/197) ] ومعناه أنه رضي الله عنه، يرجو من الله أن يثيبه على نومه، كما يثيبه على قيام الليل، لأنه يتقوى بالنوم وهو مباح على قيام الليل وهو مندوب إليه.
وفي حديث عطية السعدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين، حتى يدع ما لا بأس به حَذَرًا مما به بأس) ،[الترمذي، برقم (2451) وقال:"حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"والحاكم في المستدرك، برقم (7899) وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"
وبهذا يعلم أن المؤمن يستطيع أن يكون في عبادة دائمة لربه، يملأ الله ديوانه بالأجور في كل لحظة من لحظات حياته.
وهو مأمور بالاستمرار في عبادة ربه حتى يلقاه، كما قال تعالى: (( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ) [الحجر (99) ]
وهو يستطيع أن يكون في عبادة دائمة، في كل أحواله، حتى وهو يتمتع بالمباحات التي تشتهيها نفسه.
فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشعرون بقوة الإيمان واليقين، عندما يكونون عند الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإذا خرجوا من عنده، وزاولوا أعمالهم المباحة مع أهلهم أو في أموالهم، شعروا بنقص في إيمانهم، فيندمون ويشكو بعضهم إلى بعض، ثم يشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسليهم بأن هذه طبيعة البشر التي لا قدرة لهم على مفارقتها، ويقول لهم: (ساعة فساعة) .
فعن حنظلة الأسيدي، قال وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال قلت: نافق حنظلة.
قال سبحان الله! ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا.
قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله قلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال رسول الله: (وما ذاك) ؟ قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات) [صحيح مسلم، برقم (2750)
ومع ذلك فما على المسلم إلا أن ينوي بترك المباح وفعله طاعةَ الله تعالى، فينقلب ذلك المباح إلى طاعة يرضي بها ربه، فطعامه وشرابه، وملبسه ومركبه، ورياضته وبيعه وشراؤه، وسفره وإقامته، وتمتعه بالمناظر الجميلة في البر والبحر والجبل والصحراء والغابات، واجتماعه مع أصدقائه ....كل ذلك يكون طاعة وعبادة لله، بسبب إرادته به وجه ربه.
بل إن الله تعالى ليأجر المسلم حتى على اللقمة يضعها في فم امرأته كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
(... وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك...) [صحيح البخاري، برقم (6352) ومسلم، برقم (1628) ]
وقال النووي رحمه الله:"وفيه أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى، صار طاعة ويثاب عليه، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: حتى اللقمة تجعلها فِي في امرأتك، لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة"شرح النووي على مسلم (11/77)
و قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"قال بن دقيق العيد فيه أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحة النية وابتغاء وجه الله وهذا عسر إذا عارضه مقتضى الشهوة فإن ذلك لا يحصل الغرض من الثواب حتى يبتغي به وجه الله وسبق تخليص هذا المقصود مما يشوبه قال وقد يكون فيه دليل على أن الواجبات إذا أديت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه الله أثيب عليها فإن قوله حتى ما تجعل في في امرأتك لا تخصيص له بغير الواجب ولفظة حتى هنا تقتضي المبالغة في تحصيل هذا الأجر بالنسبة إلى المعنى كما يقال جاء الحاج حتى المشاة" [فتح الباري (5/367) ]
مشروع للإجازة الصيفية: