فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 788

وإنك لترى الطفل الصغير يتحرك في بطن أمه، ثم إذا خرج من رحمها لا يفتأ متحركا يلتفت يمنة ويسرة ويحرك يديه ورجليه، وبحركتهما يتحرك جسمه كله.

وكلما زادت حركته طمع في المزيد منها، فتجده يتقلب على سريره يمينا ويسارا، ثم يبدأ يزحف على بطنه، كأنه يسبح في الماء، ثم يحاول الوقوف على قدميه، متكئا على أطراف السرير أو الجدار، ثم يتدرب على المشي، فيقوم ويسقط، حتى يتمكن من مغادرة غرفته إلى خارجها... وهكذا حتى يصبح كغيره ممن سبقوه في العمر، فيغادر المنزل ثم الحي ثم المدينة فالقرية فالبلد.... وهي رياضة فطرية تقتضيها طبيعة الحياة...

فإذا تقدم بالإنسان العمر، وكثرت أعماله ومشاغله، بدأ جسمه يثقل، وإرادة الحركة عنده تضعف، وبخاصة من كان عمله يقتضي الجلوس في مكتب أو البقاء في مكان معين كالحراسة أو البيع والشراء في دكان أو معرض، وقد لا يخرج من منزله أو يعود إليه إلا على وسيلة نقل لا مجهود لجسمه في قيادتها -سواء كان راكبا أو سائقا - كالسيارة....

فيترتب على ذلك حدوث أمراض وأوجاع، قد تحول بين الإنسان والنشاط المفيد له في معاشه ومعاده...

المسابقة على الأقدام

ودربهم صلى الله عليه وسلم على المسابقة على الأقدام وكان هو قدوتهم في ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله:"فأما مسابقته بالأقدام، ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث عائشة، قالت: سابقني النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال: (هذه بتلك) ."

وفي رواية أخرى أنهم كانوا في سفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (تقدموا) ثم قال: (سابقيني فسبقته ثم سابقني وسبقني) ، فقال: (هذه بتلك) .

وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: بينما نحن نسير وكان رجل من الأنصار لا يسبق أبدًا، فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فقلت: أما تكرم كريمًا وتهاب شريفًا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ذرني أسابق الرجل، فقال: (إن شئت) ، فسبقته. [الفروسية ص3] .

وفائدة التدريب على المسابقة بالأقدام والعدو، ظهرت جلية عندما أخذت غطفان لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدركهم سلمة بن الأكوع العداء الذي أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأردفه على ناقته.

قال سلمة:"خرجت قبل أن يؤذَّن بالأولى، وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد، قال فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أُخِذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت من أخذها، قال غطفان."

قال فصرخت ثلاث صرخات يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم، وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي وكنت راميًا وأقول:

أنا ابن الأكوع،،،،،،،، اليوم يوم الرضع

وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم واستلبت، منهم ثلاثين بردة.

قال: وجاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس فقلت: يا نبي الله قد حميت القوم الماء وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة فقال: (يا بن الأكوع ملكت فأسجح) قال: ثم رجعنا ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته، حتى دخلنا المدينة". [البخاري رقم 4194، فتح الباري (7/460) ومسلم (3/1432) ومعنى"فأسجح"قال النووي في شرحه لمسلم (( 12/174) :"معناه فأحسن وارفق والسجاحة السهولة، أي لا تأخذ بالشدة، بل ارفق، فقد حصلت النكابة في العدو] .

التدريب على المصارعة

ودربهم صلى الله عليه وسلم على المصارعة، كما صارع صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد. [سنن الترمذي، برقم (1784) وسنن أبي داود، برقم (4078) والمستدرك على الصحيحين برقم (5902) وذكره ابن القيم في الفروسية ص3] .

وجعل صلى الله عليه وسلم، السبق في المصارعة مسوغًا للإذن بالانخراط في الجيش الإسلامي لصغار السن.

قال ابن هشام:"وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ - أي يوم أحد - سمرة بن جندب.. ورافع بن خديج.. وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان قد ردَّهما، فقيل له: يا رسول الله: إن رافعا رامٍ، فأجازه، فلما أجاز رافعًا قيل له يا رسول الله فإن سمرة يصرع رافعًا، فأجازه". [السيرة النبوية (2/66) ] .

ثالثا: كل نفس بما كسبت رهينة

لا يستغني كلٌّ منا عن التوجيه والنصيحة، والجليس الصالح، و اتخاذ من يكون له قدوة حسنة يدله على الخير ويحضه على فعله، ويبين له الشر ويحضه على تركه، وبخاصة العلماء العاملين الناصحين الذين يصقلوننا بالإيمان العميق والعبادة الشاملة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة الفاضلة، و العلم النافع.

ولكن العبء الأكبر في صلاحنا وإصلاحنا يبقى السعي إليهما واتخاذ الوسائل إلى تحقيقهما على كواهلنا، لأن كل إنسان مسئول مسئولية فردية كاملة [بعد بلوغه سن الرشد والتكليف] عن نفسه، سواء في حق نفسه الذي كلفه الله تعالى القيام به، أو حق ربه الذي فصل منهجه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو حقوق المخلوقين غيره، من أقاربه وجيرانه، وكل من يتعامل معه في حياته...

ويمكن أن يضرب لذلك مثالا شاملا:

يجب على ولي أمر الطفل [من أب وأم وأقارب] أن يقوم على مصالحه المادية والمعنوية، في طفولته وصباه، تغذية وتنظيفا وتعليما وعبادة، وسلوكا ودعوة إرشادا إلى كل نافع، وتحذيرا من كل ضار....

ثم تأتي مسئولية المعلم في المدرسة أو الجامعة، أو المسجد وحلقة العلم فيه أو في غيره، وهو في كل تلك المؤسسات يتلقى مزيدا من العلم والمعرفة والتوجيه والنصح، ويأخذ حظه من كل علم من العلوم دينية كانت أو دنيوية [معلوم أن العلوم الدينية والدنيوية في الإسلام يجمعها هدف عمارة الأرض التي استخلف الله فيها الإنسان، وهي بذلك تكون بالنية الخالصة مثابا عليها، كما هو معروف]

وتنتهي مهمة ولي الأمر والمعلمون عند قيامهم بواجب التعليم والتوجيه لهذا الإنسان [إلا فيما يتعلق بالنصح عند الحاجة] ويتحمل هو بعد ذلك القيام بما هو مكلفٌ القيامَ به.

فهو مسئول عن أداء حقوق نفسه وحقوق ربه وحقوق غيره من المخلوقات، بشرا كانوا او حيوانا، أو غير ذلك من وظائفه، وله ثواب عمله، وعليه إثمه، ولا يتحمل أحد عنه ما لزمه القيام به.

فولي أمره علمه وجوب أدائه الصلوات الخمس في أوقاتها، وتابعه في ذلك عندما كان مسئولا عنه فيها، ولكنه أصبح بعد أن بلغ رشده وأصبح مكلفا أداء تلك الصلوات، مسئولا مسئولية مباشرة عن أداء تلك الصلوات في أوقاتها، فعليه يقوم بها، ولا ينتظر من يأمره بها عند وقت كل صلاة، فالله تعالى هو الرقيب عليه، ولا يمكن أن يراقبه أحد في كل أوقاته غير ربه، وهكذا صيامه وزكاته وحجه إنفاقه على أهله

وطبيبه علمه الطب في أي تخصص من فروعه، ودربه على ذلك تدريبا كاملا، وحمله مسئولية قيامه بهذه المهنة قياما كافيا بصدق وأمانة، فقد أصبح طبيبا مسئولا أمام الله تعالى عن حقوق مرضاه، فهو المسئول مسئولية فردية عن الكشف على مرضاه وتحليل مرضهم، ووصف الدواء لهم، وليس على أستاذه الطبيب مرافقته في عيادته، والإشراف على مرضاه، وتحمل الآثار الناتجة عن نشاطه، فله صوابه عمله، وعليه أخطاؤه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت