فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 788

فليست لا إله إلا الله وجدانًا قلبيًا عميقًا فحسب ، بل هي التزام بما أنزل الله ، ومن ثم فكل ما جاء من عند الله فالالتزام به هو من مقتضيات لا إله إلا الله، وقد أحب الله هذه الأخوة وامتدحها ، وأوجبها على المؤمنين به ، وأنزل فيها آيات كثيرة لعل من أبرزها:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) [سورة الحجرات 49/11-12]

بالقرآن .. بالمصاحبة .. بالمعايشة .. بالتوجيه المستمر .. بالقدوة في شخصه الكريم صلى الله عليه وسلم .. بالحب الذي يفيض من قلبه الكبير إليهم .. بالاهتمام بكل فرد منهم كأنه هو الأثير عنده .. بالممارسة العملية للمشاعر الإيمانية داخل"الجماعة".

بهذه الوسائل مجتمعة ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الجماعة المتآخية ، التي صنعت بتآخيها الأعاجيب ، وأقام ذلك البنيان المتين المترابط ، الذي يشد بعضه بعضًا فيقويه .

وفي غربة الإسلام الثانية ، نحتاج إلى مثل ما احتاج إليه الأمر في الغربة الأولى ، إن لم يكن على ذات المستوى السامق ، فعلى أقرب المستويات إليه .

ذلك أن الضغوط الجاهلية تفتت كل ترابط ، ما لم يكن ثيق الرباط إلى الحد الذي يتحمل كل الضغوط ، ويبقى وثيقًا رغم كل الضغوط .

كم يستغرق هذا الأمر ؟ لا أدرى ! ولكنى أعلم يقينًا أنه مطلوب ، وأن"القاعدة"التي يقع عليها عبء مواجهة الجاهلية بكل كيدها ، ينبغي أن تحقق في سلوكها العملي هذا الخلق من أخلاقيات لا إله إلا الله ، لتصبح جديرة برعاية الله ، ولكي تستطيع أن تمضى في الطريق متآخية متساندة مترابطة وهي تتعرض للأهوال .

البعد الثالث:"النظام":

من ضرورات الحياة البشرية ، وفي هذه الأيام خاصة يتردد القول بأنه من"التحديات الحضارية"التي تواجه هذه الأمة .

والبيئة التي انتشر فيها الإسلام - بقدر من الله - تقع كلها - ما عدا النادر منها - في المنطقة الحارة والمنطقة المعتدلة الحارة ، وهذه البيئة فوضوية بطبيعتها !

إن الحياة - في معظمها -سهلة رخية ، لا أحد يموت من الجوع إلا النادر ، ولا أحد يموت من البرد إلا النادر .

أقل قدر من الطعام يمكن أن يحفظ الأولاد لأنه لا يوجد البرد القارس الذي يستهلك الطاقة ويحتاج إلى"الوقود"الغذائي المتجدد .

كذلك لا يحتاج الإنسان أن يختزن في أعصابه تدبيرًا وترتيبًا للمستقبل ، لأن المستقبل في حسه مثل الحاضر ، والحاضر تقضى أموره بصورة من الصور ليس فيها ترتيب مسبق ولا تدبير كثير . ومن ثم لا يحتاج الإنسان أن"يخطط"للمستقبل ، ولا أن يمد بصره أو تفكيره إلى بعيد ، فحين يأتي الغد بمشكلاته ، نحلها بذات العفوية التي نحل بها مشاكلنا الحاضرة ! ومن ثم تتسم طباع أهل المنطقة - المستمدة من تأثير البيئة - بالعفوية الشديدة و"قصر النفس"، لأن النفس الطويل لا يفترق في نتائجه العملية - في حسهم - عن النفس القصير الذي يواجه المشاكل - وقت حدوثها - وينتهي منها في لحظتها، وينصرف إلى غيرها !

وخلاصة القول أن أهل هذه البيئة - حين يتركون لتأثير البيئة وحده - قوم يكرهون النظام ، ويرونه عبئًا ثقيلًا على أعصابهم لا ينبغي أن يحملوه ، ولا ضرورة - في حسهم - لحمله .

وقوم عفويون يكرهون التخطيط والنظر إلى بعيد ، ويرونه كذلك عبئًا ثقيلًا على أعصابهم لا موجب له ، وهم أخيرًا قوم قصار النفس يشتعلون حماسة لفترة موقوتة ، ثم تخبو حماستهم كأن لم تشتعل قط ، وتنصرف إلى موضوع جديد .

من هذه الطباع - المستمدة من تأثير البيئة - تسلمهم الإسلام فأنشأ منهم خلقًا آخر.

أنشأ منهم بادئ ذي بدء أمة شديدة التنظيم ، لا تكره النظام ولا تتمرد عليهن بل تسارع إليه وتمتثل لمقتضياته .

وليس بنا - هنا - أن نستطرد كثيرًا إلى الوسائل التي غير بها الإسلام طباع هذه الأمة المستمدة من البيئة ، والموروثة فيها قرونًا إثر قرون .

ولكنى كلما قرأت في كتب السيرة:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفنا للصلاة كما يصفنا للقتال"تهتز نفسي تأثرًا وعجبًا لهذا المربى العظيم صلى الله عليه وسلم كيف كان يعد هذه الأمة لمهمتها .

لتكون"خير أمة أخرجت للناس"‍وأعجب لهذا الدين كيف يصنع في النفوس، فيغير من الطباع ما يبدو لأول وهلة داءً مستعصيًا على الحل!

كان عليه الصلاة والسلام لا يبدأ الصلاة حتى يرى الصف قد استقام ، وكان يقوّم الصف بيديه الشريفتين ، يلصق كتف هذا بذاك ، وقدم هذا بذاك ، حتى يقوّم صف الصلاة كصف القتال ، كأنه بنيان مرصوص !

والإسلام كله نظام ودقة ، مع سماحته التي تعطف على الضعف البشرى ولا تلعنه ما دام صاحبه لا يصر عليه ، ومع نداوته التي تتعامل مع النفوس البشرية لا على أنها آلات وأدوات ، ولكن على أنها مشاعر وعواطف ، فيرفع عنها الحرج:

( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) [سورة آل عمران 3/135-136]

( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) [سورة الحج 22/78]

( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [سورة المائدة 5/6] .

ويتبدى التنظيم واضحًا في العبادات خاصة ؛ فالصلاة مواقيت ، والصوم مواقيت ، والحج مواقيت، والزكاة مواقيت ؛ فضلًا عن التنظيم الدقيق في كل عبادة من هؤلاء ، وخاصة في الصلاة والحج .

والقرآن يعلم المؤمنين النظام والدقة في الآداب التي نسميها اليوم"الآداب الاجتماعية":

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ) [سورة النور 24/27-29] .

والتربية الإسلامية التي رباها الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه جعلت منهم أمة منظمة تنظيمًا دقيقًا على أساس"إنساني"لا على أساس آلي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت