فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 788

شمر عسى أن ينفع التشمير *** وانظر بفكرك ما إليه تصير

طولت آمالًا تكنفها الهوى *** ونسيت أن العمر منك قصير

وكن كما كان هذا الشاب الذي حكى عنه بكر العابد، فقال تعبّد شاب صغير من أهل الشام فبالغ بالعبادة والاجتهاد، فقالت له أمه: يا بني ! لماذا لا تلهو مع الشباب الذين هم في مثل سنك؟ فقال لها الشاب الطائع: يا أماه ! ليتك كنت بي عقيمًا.. ليتك لم تلديني يا أماه.. إن لابنك في القبر رقادًا طويلًا، وفي عرصات القيامة موقفًا مهولًا.. فقالت له: يا بني ! لولا أني أعرفك صغيرًا وكبيرًا لظننت أنك أحدثت حدثًا موبقًا، أو أذنبت ذنبًا مهلكًا لما أراك تصنع بنفسك، فقال لها: يا أماه ! وما يدريني أن يكون الله عز وجل قد اطلع علي وأنا في ذنوبي فمقتني، وقال: اذهب فلن أغفر لك.

هكذا كان شباب الأمس، يعبدون الله تعالى، ويخافون ألا يتقبل الله منهم، أما شباب اليوم - إلا من رحم الله - فقد جمع بين التقصير بل التفريط والغفلة، ومع ذلك يظن كل واحد منهم النجاة يوم القيامة.

وصية نبوية:

عن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي أنه قال: { اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك } [الحاكم والبيهقي وصححه الألباني] .

الإسلام وحظوظ النفس:

أخي الشاب: يخطئ من يظن أن طريق الاستقامة يمنع المتعة ويحرم البسمة، وينهى عن المزحة، ويحظر الشهوات على الإطلاق بل إنه ضبط هذه الأمور وفق حدود شرعية حتى لا يكون الإنسان عبدًا لهواه وشهواته، فهناك انواع من المتع المباحة التي أقرها الإسلام وحث عليها، ومن ذلك:

أولًا: النكاح: فالنكاح حث عليه الإسلام، وجعله سبيلًا لضبط الشهوة، وطريقًا للمودة والرحمة بين الزوجين، قال تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [الروم:21] .

ونظرًا لقوة داعي الشهوة لدى الشباب خصهم النبي بالأمر به، فقال عليه الصلاة والسلام: { يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء } [متفق عليه] .

وفي النكاح فوائد عظيمة منها:

1-أنه تنفيذ لأمر الله تعالى في كتابه.

2-أن اتباع لسنن الأنبياء والمرسلين وبخاصة سنة نبينا محمد .

3-به تحصيل المودة والرحمة والتعاون والألفة بين الزوجين.

4-به يتم التعارف والتآخي بين الأسر والعائلات.

5-به تحفظ الأنساب ولا تختلط.

6-به تحصن الفروج وتضبط الغرائز ولا يعتدي الناس بعضهم على بعض.

7-به يكثر النسل وتقوى شوكة الأمة ويهاب جانبها.

8-به يحصل الأجر لكلا الزوجين إذا عاشر كل منهما الآخر بالمعروف.

9-به تحفظ المجتمعات من الفساد والانحلال.

10-به يحفظ الزوجان من الأمراض الفتاكة التي تصيب من يقضي وطره بالطرق المحرمة.

أخي الشاب: وحرم الإسلام الزنى لما فيه من الأضرار الجسيمة على الأفراد والأسر والمجتمعات، فبالزنى تختلط الأنساب وتنتشر العداوة والبغضاء، ويظهر القحط ويعم البلاء، والزنى يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين، وذهاب الورع وفساد المروءة، وقلة الغيرة، فلا تجد زانيًا معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله.

ومن نتائج الزنى:

1-غضب الرب سبحانه لانتهاك محارمه.

2-سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت.

3-ظلمة القلب وطمس نوره والوحشة وضيق الصدر.

4-الفقر اللازم للزناة ولو بعد حين.

5-السقوط من عين الله وأعين العباد.

6-الاتصاف بأخبث الأوصاف كالفاجر والزاني والخائن والفاسق.

7-نزع الإيمان من القلب، لقول النبي: { لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن } [متفق عليه] .

8-التعرض للعذاب في جهنم مع الزناة والزواني.

9-الإصابة بالأمراض الفتاكة كالإيدز والهربز والسيلان.

10-فوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن.

ثانيًا: الأكل والشرب: قال تعالى: فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه [الملك:15] .

1-أن يكون الطعام والشراب من الطيبات كما قال تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث [الأعراف:157] . فالدخان والحشيشة والخمر كلها من الخبائث المحرمة.

2-أن يكون بقدر الحاجة كما قال تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [الأعراف:31] .

3-أن يكون في غير الأوقات التي حرم الله فيها الأكل والشرب كنهار رمضان، قال تعالى: ثم أتموا الصيام الى الليل [البقرة:187] .

4-أن يكون الطعام والشراب من مال حلال، فإن كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به.

ثالثًا: الضحك والمزاح: فقد كان النبي يضحك، وكان يمزح، ولكن لا يقول إلا الصدق، فليس في الإسلام مكان لباطل ولو عن طريق المزاح والتفكه، وليس هناك نكات تروج للكذب، وتتخذ من السخرية مادة للضحك وتضييع الأوقات قال النبي: { ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له } [أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه الألباني] .

رابعًا: الرحلات والزيارات: وهذه أيضًا من المتع المباحة شريطة ألا يتخللها معصية، من شرب للدخان أو استماع للملاهي أو التحدث بالرفث من القول وغير ذلك.

وفي ذلك يقول الشيخ ابن عثيمين:"أحث الشباب على إقامة الزيارات فيما بينهم، حتى تتوطد الألفة والمحبة بين القلوب، وعليهم أن يدرسوا أحوالهم وأحوال أمتهم، ليكونوا كقلب واحد، ورجل واحد، وما أعظم ثمرة الزيارات إذا قرنت برحلات قريبة أو بعيدة، فإن لها أثرًا كبيرًا، وعلى المربين من الأساتذة والمديرين قسط كبير من هذا التوجيه".

خامسًا: الرياضة وتقوية الأبدان: فالمؤمن القوي خير واحب الى الله تعالى من المؤمن الضعيف، ويروى عن عمر أنه قال:"علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل"، ولكن ينبغي للشاب أن يكون له نية صالحة في ذلك وهي الجهاد في سبيل الله والذب عن الشريعة والدفاع عن الدين والنفس والعرض والأرض والمال.

دع الفراغ وابدأ العمل:

أخي الشاب: ها نحن قد أخذنا الحديث وتكلمنا كثيرًا، فلماذا لا نبدأ من الآن؟ أعترف أن البدايات قد تكون صعبة ولكن..

"عند الصباح يحمد القوم السرى".

وأذكرك بقول النبي: { نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ } [ البخاري] . فكأنك المقصود بهذا الحديث أيها الشاب، فأنت في الزمان الصحة والقوة، وعندك كثير من الأوقات التي انشغل فيها غيرك بتدبير معاشهم والسعي في أرزاقهم، فلماذا لا تستثمر هذه الأوقات فيما يقربك الى الله، وفيما يكون ذخرًا لك يوم القيامة؟

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: إني لأبغض الرجل أراه فارغًا، لا في أمر دنياه، ولا في أمر آخرته.

وقال أبو العباس الدينوري: ليس في الدنيا أعز وألطف من الوقت والقلب، وأنت مضيع لهما !!

وقال يحيى بن معاذ الرازي: المغبون من عطل أيامه بالبطالات، وسلط جوارحه على الهلكات، ومات قبل إفاقته من الجنايات.

وقال أحد السلف: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل أنت فيهما.

وقال عيسى عليه السلام: إن هذا الليل والنهار خزانتان فانظروا ما تضعون فيهما. وكان يقول: اعملوا لليل لما خُلق له، واعملوا للنهار لما خلق له.

وقال أبو زيد: إن الليل والنهار رأس مال المؤمنين، وربحهما الجنة، وخسرانها النار..

إنما الدنيا الى الجنة والنار طريق *** والليالي متجر الإنسان والأيام سوق!!

وقال إبراهيم بن شيبان: من حفظ على نفسه أوقاته فلا يضيعها بما لا رضى لله فيه، حفظ الله عليه دينه ودنياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت