ومن المشاكل: انصراف الشباب من النافع إلى الضار.. ومن الطاعة إلى المعصية، فإن المغريات والمفتنات في هذا الزمن كثيرة وكثيرة؛ وإن الشهوات قد ضجت منها الأرض، واسودّ بها الزمن! فإذا انصرف الشباب إليها نتيجة لفراغهم، فسدت أخلاقهم، وانتكست فطرهم، وشوهت سمعتهم.
أيها الشباب: إن الفراغ الذي تجدونه في حياتكم مع وجود الشهوات ليعد أمرًا خطيرًا على حاضركم ومستقبلكم، يقول بعض الصالحين:
(فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة، بأن فتح على نفسه باب الهوى، وانجر في قياد الشهوات، شوش الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما كان يجده من صفاء قلبه) .
وقال بعض السلف: (الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل، ثم لا تتوجه إليه، وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه) . يعني: الله جل جلاله.
أيها المسلمون! لقد كان سلفكم الصالح يكرهون من الرجل أن يكون فارغًا، لا هو في أمر دينه، ولا هو في أمر دنياه، وهنا تنقلب نعمة الفراغ نقمة على صاحبها، ولهذا قيل: الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غلمة، أي: محرك للغريزة والتفكير في أمر الشهوة! وهل كان تعلق امرأة العزيز بيوسف- عليه السلام- وشغفها، وتدبير المكايد لإيقاعه في شباكها، إلا نتيجة الفراغ الذي تعيشه!!
ويشتد خطر الفراغ إذا اجتمع مع الفراغ الشباب الذي يتميز بقوة الغريزة والجدة، أي القدرة المالية التي تمكن الإنسان من تحصيل ما يشتهي... وفي هذا يقول الشاعر:
لقد هاج الفراغ عليه شغلًا وأسباب البلاء من الفراغ
والفراغ: منه الفراغ العقلي.. هذا العقل إذا لم يستخدمه الإنسان في ما خلق له؛ فإنه يعد كالبهيمة؛ لأنه بهذا (الفراغ العقلي) ساوى الأنعام في كونها لا تعقل {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} (22) سورة الأنفال.
فلا بد من إدراك أهمية ملء الذهن بما ينفع، فإذا عاش الشباب في فراغ عقلي فإنما كتب على حياته الفناء، كما أنه قد كتب على آخرته البوار، لذلك يعترف أهل النار يوم القيامة بفراغ عقولهم حينما يقولون { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (10) سورة الملك. فهذا مصير من عاش منعوتًا في (فراغ عقلي) وأما من ملأ عقله بما ينفعه في دنياه وآخرته، فإنه يفوز فوزًا عظيمًا في الدنيا والآخرة.
ومن أنواع الفراغ: الفراغ القلبي: إن القلب مضغة، بحياتها يحيى الجسد، وبموتها يموت؛ فهو وعاء الإيمان كما أنه وعاء الهوى.قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } (7) سورة الحجرات.
يا معشر الشباب: إن فراغ القلوب من الإيمان، يلزم منه امتلاؤها بالهوى والعصيان، من ملأ قلبه بحب الله ورسوله، فرغ القلب من الهوى والزيغ والضلال، ومن ملأه بالشهوة فقد فرغ من تقوى الله مرضاته، فيا له من فراغ قاتل، ويا له من تدبير سافل، أتظن أيها الشاب! أنك بترك قلبك للهوى والشيطان سوف تكون غدًا من الناجين!! ما أظنك ستبلغ تلك المرتبة وتلك المنزلة! إن بلوغ المنزلة العالية يكون لمن ألزم نفسه عبودية الله وملأ قلبه بحبه وتقديسه!
ومن أنواع الفراغ: الفراغ النفسي:
إن النفس إذا لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وشغلها بالحق يكون بتزكيتها، وتهذيبها، وإلجامها عن الباطل.. وإلا تعودت على السوء، واستمرت بالانحراف فخاب بذلك صاحبها (قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها) .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وتاب علىَّ وعليكم إنه هو التواب الرحيم
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي حقق الإسلام قولًا وعملًا، وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين، أما بعد:-
أيها الناس: إن المخاطر التي تترتب على الفراغ إذا لم يستغل الوقت فيما ينفع الانسان في دنياه وأخراه، وخصوصًا وقت الشباب، كثيرة جدا ، ولكن نأتي الآن على بيان الأمور التي يقضي بها الشباب أوقاتهم حتى يفوزوا بالرضى والجنان..
إن أهم ما يشغل به الشاب وقته فيما يعود عليه بالخير في أمر الدنيا والآخرة، ولا بد من ذلك؛ فإن انصرفت النفس إلى غير ذلك، فقد جانبت خير المسالك، ودخلت طريق المهالك.
ومن الأمور المعينة على حفظ الوقت وطرد الفراغ القاتل:-
1.الحركة الهادفة: فعلى الشاب أن يكون داعية رحالًا سائحًا في محلات مدينته، ومدن قطره، يبلغ دعوة الإسلام.. أنظر أيها الشاب مثلًا كيف كانت رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسيح في البوادي تبلغ الأعراب كلمة الإسلام وتبشر به، ولم يكن ثَمَّ انتظار ورودهم إلى المدينة،
وهذا يعد مجالًا خصبًا لاستغلال وقت الإنسان فيه حيث يكون الإنسان رحالًا حركيًا يحمل كلمة الله إلى كل مكان (منزله، ومدرسته، وظيفته، بلدته قريته..) وإذا بلغ الشاب المسلم هذه المرتبة فلا يجد الفراغ إليه سبيلًا..
2.حب المساعدة وقضاء الحاجات: إننا عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود!! أما عندما نعيش لغيرنا، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة! تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض.
يقول أبو عثمان شيخ البخاري - رحمه الله: (ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تم وإلا قمت له بمالي، فإن تم وإلا استعنا له بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت له بالسلطان!!) .
هكذا أيها الشباب ويا معشر الناس جميعًا: كان السلف يعرفون بماذا يستغلون أوقاتهم، وكيف يقضون حاجات الناس بسعة صدر ورضى نفس!!
هذا هو إسلامنا.. دين معايش للواقع.. لا دين نظريات ومُثُل!!
دين حركة وجهاد.. لا دين خيال وافتراض!!
لهذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - موجهًا البشرية على التحرك في قضاء الحاجات.. (( أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينًا، أو يطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخٍ في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد( يعني: مسجد المدينة ) شهرًا ، ومن كف غضبه ستر الله عورته ، ومن كظم غيظه _ ولو شاء أن يمضيه أمضاه _ ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام ، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ))1. وقال: (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ) )2.
3.ومما يستغل به الشباب وجميع الناس أوقاتهم: القراءة.. قراءة القرآن، وقراءة كل ما ينفع! {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (9) سورة الإسراء.
أيها الشباب أخرجوا من ضيق الذاتية إلى رحابة الحياة.. لقد ضيع الكثير أوقاتهم، وقتلوا أعمارهم، وخسروا حضهم!! فبئس الثمن وبئست البضاعة! أين أنتم يا شباب الإسلام هاكم القرآن فاقرؤوه، ورتيلوا آياته الحسان!! هاكم مجدكم وعزتكم وسؤددكم!
لا تضيعوا الأوقات!! هل استغنت الأمة المجروحة عن الطاقات حتى تضيع!؟ وهل ارتفعت الأمة بقدراتها حتى لا تحتاج إلى الشاب الرفيع!؟