فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 788

أما يمكن أن يصاب ابن العشرين أو الثلاثين أو الأربعين بالأمراض التي تزلزل أركانه؟ وتجعله طريح الفراش حبيس الأسرّة البيضاء؟ أما يمكن أن يبتلى ابن العشرين أو الثلاثين أو الأربعين بالحوادث المروعة التي لا يستطيع بعدها حراكًا؟

فالله الله في تجديد التوبة، عساها تكف كف الجزاء، والحذر الحذر من الذنوب، فإن المبارزة لله تسقط العبد من عينه، ومتى سقط العبد من عين الله في أي أودية الدنيا هلك !

عاقبة التسويف:

أخي الشاب: هناك أمر آخر قد خفي عليك، وهو أن التسويف لا يقف عند حدّ، بل هو بحر لا ساحل له، والأماني لا تنقطع بصاحبها، ولا يزال العبد يسوف حتى يصير مجندلًا في قبره.. فإذا بلغ الثلاثين قال: سوف أتوب غدًا.. وإذا جاوز الأربعين قال: سأتوب غدًا.. وإذا بلغ الخمسين قال: غدًا.. وإذا بلغ الستين قال: غدًا غدًا.. وكل يوم يمر عليه يزداد فيه بعدًا من الله، ونفورًا من التوبة وسبيلها.. فالحازم من عزم على التوبة من ساعته، وترك سبل الغواية الآن قبل غده.

قال الحسن رحمه الله: إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب.. لو أحسن الظن لأحسن العمل.

خذ من شبابك قبل الموت والهرم ** وبادر التوب قبل الفوت والندم

واعلم بأنك مجزئ ومرتهن *** وراقب الله واحذر زلة القدم

فيا أيها الشاب: إياك والتسويف بالتوبة، والاتكال على العفو والمغفرة، فالله تعالى كما أنه غفور رحيم، فإنه أيضًا شديد العقاب، ذو بطش شديد، وأخذ أليم. قال تعالى: إن بطش ربك لشديد [البروج:12] . وقال سبحانه: إن أخذه أليم شديد [هود:102] . وقال النبي: { إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته} [متفق عليه] .

وهناك ثلاثة أسباب للتراخي والميل الى اللذات:

أحدها: رؤية الهوى العاجل، فإن رؤيته تشغل عن الفكر فيما يجنيه، لأن عين الهوى عمياء !

الثاني: التسويف بالتوبة، فلو حضر العقل لحذر من آفات التأخير، فربما هجم الموت قبل أن تحصل التوبة.

الثالث: رجاء الرحمة فيقول العاصي: ربي رحيم، وينسى أنه شديد العقاب.

قل للمفرط يستعد *** ما من ورود الموت بد

قد أخلق الدهر الشباب *** وما مضى لا يسترد

أو ما يخاف أخو المعاصي *** من له البطش الأشد

يومًا يعاين موقفًا *** فيه خطوب لا تحد

فإلام يشتغل الفتى *** في لهوه والأمر جد

شاب نشأ في عبادة الله:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: { سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله عز وجل، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه } [متفق عليه] .

أخي الشاب:

ألا تريد أن يظلك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؟

ألا تريد أن تأخذ كتابك بيمينك فتقول فرحًا مسرورًا: هاؤم اقرءوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه [الحاقة:19-20] .

ألا تريد لقيا الأنبياء والمرسلين في جنات عدن؟

ألا تريد التمتع بالحور العين والجواري الحسان؟

ألا تريد النظر الى وجه الله الكريم؟ وجوه يومئذ ناضرة، الى ربها ناظرة [القيامة:22-23] .

ألا تريد نعيمًا لا ينفذ وقرة عين لا تنقطع؟

إن كنت تريد ذلك فـ:

شمر عسى أن ينفع التشمير *** وانظر بفكرك ما إليه تصير

طولت آمالًا تكنفها الهوى *** ونسيت أن العمر منك قصير

وكن كما كان هذا الشاب الذي حكى عنه بكر العابد، فقال تعبّد شاب صغير من أهل الشام فبالغ بالعبادة والاجتهاد، فقالت له أمه: يا بني ! لماذا لا تلهو مع الشباب الذين هم في مثل سنك؟ فقال لها الشاب الطائع: يا أماه ! ليتك كنت بي عقيمًا.. ليتك لم تلديني يا أماه.. إن لابنك في القبر رقادًا طويلًا، وفي عرصات القيامة موقفًا مهولًا.. فقالت له: يا بني ! لولا أني أعرفك صغيرًا وكبيرًا لظننت أنك أحدثت حدثًا موبقًا، أو أذنبت ذنبًا مهلكًا لما أراك تصنع بنفسك، فقال لها: يا أماه ! وما يدريني أن يكون الله عز وجل قد اطلع علي وأنا في ذنوبي فمقتني، وقال: اذهب فلن أغفر لك.

هكذا كان شباب الأمس، يعبدون الله تعالى، ويخافون ألا يتقبل الله منهم، أما شباب اليوم - إلا من رحم الله - فقد جمع بين التقصير بل التفريط والغفلة، ومع ذلك يظن كل واحد منهم النجاة يوم القيامة.

وصية نبوية:

عن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي أنه قال: { اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك } [الحاكم والبيهقي وصححه الألباني] .

الإسلام وحظوظ النفس:

أخي الشاب: يخطئ من يظن أن طريق الاستقامة يمنع المتعة ويحرم البسمة، وينهى عن المزحة، ويحظر الشهوات على الإطلاق بل إنه ضبط هذه الأمور وفق حدود شرعية حتى لا يكون الإنسان عبدًا لهواه وشهواته، فهناك انواع من المتع المباحة التي أقرها الإسلام وحث عليها، ومن ذلك:

أولًا: النكاح: فالنكاح حث عليه الإسلام، وجعله سبيلًا لضبط الشهوة، وطريقًا للمودة والرحمة بين الزوجين، قال تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [الروم:21] .

ونظرًا لقوة داعي الشهوة لدى الشباب خصهم النبي بالأمر به، فقال عليه الصلاة والسلام: { يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء } [متفق عليه] .

وفي النكاح فوائد عظيمة منها:

1-أنه تنفيذ لأمر الله تعالى في كتابه.

2-أن اتباع لسنن الأنبياء والمرسلين وبخاصة سنة نبينا محمد .

3-به تحصيل المودة والرحمة والتعاون والألفة بين الزوجين.

4-به يتم التعارف والتآخي بين الأسر والعائلات.

5-به تحفظ الأنساب ولا تختلط.

6-به تحصن الفروج وتضبط الغرائز ولا يعتدي الناس بعضهم على بعض.

7-به يكثر النسل وتقوى شوكة الأمة ويهاب جانبها.

8-به يحصل الأجر لكلا الزوجين إذا عاشر كل منهما الآخر بالمعروف.

9-به تحفظ المجتمعات من الفساد والانحلال.

10-به يحفظ الزوجان من الأمراض الفتاكة التي تصيب من يقضي وطره بالطرق المحرمة.

أخي الشاب: وحرم الإسلام الزنى لما فيه من الأضرار الجسيمة على الأفراد والأسر والمجتمعات، فبالزنى تختلط الأنساب وتنتشر العداوة والبغضاء، ويظهر القحط ويعم البلاء، والزنى يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين، وذهاب الورع وفساد المروءة، وقلة الغيرة، فلا تجد زانيًا معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله.

ومن نتائج الزنى:

1-غضب الرب سبحانه لانتهاك محارمه.

2-سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت.

3-ظلمة القلب وطمس نوره والوحشة وضيق الصدر.

4-الفقر اللازم للزناة ولو بعد حين.

5-السقوط من عين الله وأعين العباد.

6-الاتصاف بأخبث الأوصاف كالفاجر والزاني والخائن والفاسق.

7-نزع الإيمان من القلب، لقول النبي: { لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن } [متفق عليه] .

8-التعرض للعذاب في جهنم مع الزناة والزواني.

9-الإصابة بالأمراض الفتاكة كالإيدز والهربز والسيلان.

10-فوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن.

ثانيًا: الأكل والشرب: قال تعالى: فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه [الملك:15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت