هذا خطاب لكل مسلم، أي: لا تبق ـ أيها المسلم ـ فارغًا أبدًا، فإذا فرغت من عمل فابدأ في عمل آخر، إذا فرغت من عمل دينك فاشتغل بعمل دنياك، وإذا فرغت من عمل دنياك فاشتغل بعمل دينك، وإذا فرغت من حاجة بدنك فخذ غذاءً لقلبك أو متعة لروحك، وإذا فرغت من شأن نفسك فأقبل على شأن أسرتك، ثم على شأن مجتمعك وأمتك، وهكذا لا فراغ أبدًا إلا استجمام وتأهب للعمل، تقول عائشة - رضي الله عنها - عن الرسول الأسوة: ولا رُئِيَ قط فارغًا في بيته [2] ، ويقول ابن مسعود - رضي الله عنه: إني أكره أن أرى الرجل فارغًا لا في عمل دنيا ولا آخرة [3] ، وروي أيضًا: إني لأبغض الرجل أن آراه فارغًا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة، ورأى شريح القاضي جيرانًا له يجولون فقال: ما لكم؟ فقالوا: فرغنا اليوم، فقال شريح: وبهذا أمر الفارغ؟! [4]
لا شك ـ عباد الله ـ أن هذه النصوص تشكل دافعًا يحفِّزنا لتوظيف دقائق أعمارنا في عمارة الأرض، أو إنجاز عمل نافع لنا أو لغيرنا من الناس، أو للترويح المشروع عن أنفسنا ومن نعول، فإذا أصبح ذلك نموذجًا متَّبعًا في أمة فإن مجموع إنتاجية أفرادها سيحدث لها تقدمًا في ميدان العلم والتقنية والعمل الخدمي للناس، يقول الشافعي - رحمه الله - راسمًا للأجيال قاعدة تربوية:"إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل"، إذا لم تدر النفس في حركة سريعة من مشروعات الخير والبر والتطوع لم تلبث أن تنهبها الأفكار الطائشة وتلفها دوامة الترهات، والأفضل أن يرسم الإنسان لنفسه منهجًا يستغرق وقته ويسد منافذ الشيطان؛ ليجعل من وقت الفراغ فراغًا عاملًا، يعود على جسمه بالصحة، وعلى عضلاته بالقوة، وعلى بدنه بالنشاط والحيوية، وعلى مجتمعه بالنفع والفائدة.
إن كثيرًا من شباب الأمم الناهضة ينتهزون أوقات الإجازات والفراغ لتنمية الملكات واستغلال المواهب وتوسيع الأفكار وتثقيف العقول بالجديد من العلوم والمعارف والآداب.
كلنا يعلم أن الفراغ قضية واقعة لا نستطيع إنكارها، إلا أننا نستطيع بالتخيطط السليم التخلص من الملل، وتوجيه الرغبات الكامنة، وإحياء الملكات المخبوءة، والتنمية الشخصية للملكات والإمكانات، وتعزيز العادات الطيبة، وتعليمهم تحمل المسؤولية ضمن برامج هادفة ووسائل متنوعة، تجمع بين التوجيه والإرشاد والترويح والاستجمام، وإذا نهض بهذا الواجب أهل التربية والاجتماع والإصلاح شكلوا واحة تجتذب الشباب إليها عبر ما يطرحونه من برامج وأنشطة تلبي رغبات وطموح أبنائها، حتى لا يكونوا عرضة للآثار السلبية للصيف وفراغه، وإهدار طاقات الأمة الفاعلة، يقول علي - رضي الله عنه: (من أمضى يومًا في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد بناه أو حمد حصله أو خير سمعه أو علم اقتبسه فقد عق يومه) ، وهكذا ـ عباد الله ـ لا توجد هذه المشكلة في حياة المسلم، لا يمكن أن يوجد فراغ في قلب عامر بذكر الله، ولا في روح متعبِّدة لله.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[1] هو في مستدركه (4/341) ، وقال:"صحيح على شرط الشيخين"، ولم يتعقبه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3355) ، لكن ذكر له البيهقي في الشعب (7/263) علّة، وهي أن الصحيح أنه من رواية عمرو بن ميمون الأودي مرسلًا، كذا أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص2) ، وابن أبي شيبة في المصنف (7/77) ، والبغوي في شرح السنة (4022) ، وصححه الحافظ في الفتح (11/235) .
[2] انظر: صفة الصفوة (1/200) .
[3] أخرجه ابن المبارك في الزهد (741) ، وهناد في الزهد (2/357) ، وأحمد في الزهد (ص159) ، وابن أبي شيبة في المصنف (7/158) ، والطبراني في الكبير (9/103) ، وأبو نعيم في الحلية (1/130) ، وقال الهيثمي في المجمع (4/63) عن إسناد الطبراني:"فيه رجل لم يسم، وبقية رجاله ثقات".
[4] أخرجه هناد في الزهد (2/357) ، وأبو نعيم في الحلية (4/134) من طريق الأعمش قال: سمعتهم يذكرون عن شريح أنه رأى...وذكر القصة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمد الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين والصابرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله.
إن خطورة الفراغ وثقل الإجازة يلقي بالمسؤولية والتبعة على مؤسساتنا التعليمية والاجتماعية والخدمية، وعلى الآباء والمربين، في توظيف أوقات الفراغ، ولوضع برامج تنسجم وتطلعات الأمة في استثمار طاقات الأبناء وتستوعبهم في محاضنها.
من الوسائل المفيدة لملء الفراغ القراءة الهادفة، حضور المحاضرات والندوات، أداء حقوق الوالدين ومزيد من برهم، صلة الرحم، الاشتراك في الأنشطة الاجتماعية المفيدة، تعلم حرفةٍ مهنية، الإحسان إلى الضعفاء والمساكين والملهوفين والأيتام، الاجتهاد في طلب العلم، سعي للإصلاح بين الناس، زيارة الحرمين، أداء العمرة، كذا الدروس العلمية والدورات في المساجد نعمة يجب الاستفادة منها واستثمارها، وهذا رسول الله يقدم بعض مجالات النشاط التطوعي فيقول: (( تبسُّمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة ) )أخرجه الترمذي من حديث أبي ذر رضي الله عنه [1] .
ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على رسول الله الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال:"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا" [الأحزاب: 56] .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد...
[1] هو في كتاب البر والصلة من السنن (1956) ، وقال:"حديث حسن غريب"، وأخرجه أيضا البخاري في الأدب المفرد (891) ، والبزار (4070) ، وصححه ابن حبان (529) ، وله شواهد كثيرة أشار إليها الترمذي، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (572) .
هم الفراغ وفقه الترويح
سعود بن إبراهيم الشريم
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فاتقوا اللهَ معاشرَ المسلمين، واعلموا أنّ أصدقَ الحديث كلام الله، وخيرَ الهدي هدي محمّد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يدَ الله على الجماعة، ومن شذَّ عنهم فمات فميتتُه جاهليّة.
أيّها المسلمون، إنّ حياةَ النّاس بعامّة مليئة بالشّواغل والصّوارف المتضخِّمة، والتي تفتقر من حيث الممارساتُ المتنوِّعة إلى شيء من الفرز والتّرتيب لقائمة الأولويّات منها، مع عدمِ إغفال النّظر حول تقديم ما هو أنفع على ما هو نافع فحسب.
ثمّ إنّ الضغوطَ النفسيّة والاجتماعيّة الكبيرة الناتجةَ عن هذا التضخّم ربّما ولَّدت شيئًا من النّهم واللّهث غير المعتاد تجاهَ البحثِ عمّا يبرِد غلّةَ هذه الرواسب المتراكمة ويطفئ أوارَها [1] .
إنّ الحضارة العالميّة اليومَ قد عُنيت بإشعال السلاح ورفع الصّناعة وعولمةِ بقاع الأرض، تلكمُ الحضارة التي حوَّلت الإنسانَ إلى شِبه آلةٍ تعمَل معظمَ النهار ـ إن هي عملت ـ ليكون ساهرًا أو سادرًا [2] أو خامدًا ليلَه، هذه هي الثمرة الحاصلة، ليس إلا.