ولم يتجاوز حين كرر وقال ثانية: ( اسمحوا لي أن أقول لكم إنكم إذا خطوتم على طريق هذه الدعوة بعاطفة أبرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وآبائكم وأمهاتكم فإنكم لا بد أن تبوءوا بالفشل الذريع ، بفشل لا تتجرأ بعده أجيالنا القادمة على أن تتفكر في القيام بحركة مثل هذه إلى مدة غير وجيزة من الزمان ، عليكم أن تستعرضوا قوتكم القلبية والأخلاقية قبل أن تهموا بالخطوات الكبيرة ) .
إن من يطالب الآن بإلغاء الراحة فإنه إنما يستند إلى مادة واضحة في قانون الدعوة والدعاة سَنَّها عمرُ الفاروق رضي الله عنه تنطق بصراحة أنَّ:
(الراحة للرجال .. غفلة )
وجددها إمام المحدثين شُعبة بن الحجَّاج البصري فقال: ( لا تقعدوا فراغًا فإنَّ الموت يطلبكم ) .
ذلك أن من أراد الراحة والسكون فإن الموت والقبر يزودانه منهما حتى يشبع .
وكأننا والله قد أسرفنا في الغفلة ، ولا بد من عزيمة نفطم بها نفوسنا عن اللهو .
إننا حين نثبت جواز التمتع بالمباحات فلكي يعلم مَن نخاطبه أننا لا ندعوا إلى مثل الطريقة المبتدعة التي كان عليها بعض الزهاد من الجوع والعري والرهبانية ، وإلا فلا يزال جواب ابن الجوزي يصلح جوابًا لنا حين سأله سائل: أيجوز أن أفسح لنفسي في مباح الملاهي ؟ فقال:"عند نفسك من الغفلة ما يكفيها"
فإن اعترض معترض أتيناه بمثل كلام ابن القيم حيث يقول:"لا بد من سِنة الغفلة ، ورقاد الغفلة . . ولكن كن خفيف النوم"
فنحن لا ننكر ما في المعنى الحرفي لإطلاقات مَنْ عاب الراحة من إرهاق ، وإنما نريد - كما أرادوا - تقليلها إلى أدنى ما يكفي الجسم ، كل حسب صحته وظروفه ، خاصة وأن المؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية ، كما يجب عليه شيء من المجاهدة والمراقبة لوقته أكثر مما كان يجب على السلف .
فكن خفيف النوم أيها الداعية المسلم لتحصل لك هذه الهمة العظيمة .
وانتبه من رقدة الغفلة فالعمر قليل
واطرح سوف وحتى فهما داء دخيل
وعَبَّر الصالحون عن هذه المعاني أحيانًا بلفظ آخر سموه: حفظ الوقت ، أو مراعاة الوقت.
وترك الفراغ .. والاستيقاظ من رقدة الغفلة: معناهما التعب ، ثم التعب ، واستفراغ الوُسع في العمل لله: نطق بذلك الإمام الشافعي ، ونفى أن تصح مروءة داعية يطلب الراحة .. فقال:"طلب الراحة في الدنيا لا يصح لأهل المروءات ، فإن أحدهم لم يزل تَعبان في كل زمان".
ولما سُئل أحد الزهاد عن سبيل المسلم ليكون من صفوة الله .. فقال:"إذا خلع الراحة .. وأعطى المجهود في الطاعة".
فالداعية الصادق يخلع الراحة ، ويعود لا يعرفها وإنما يبذل المجهود من نفسه ، ويستفرغ كل طاقته في خدمة الدعوة ...
الدعوة إلى الله تعالى..
موقع طريق الإسلام
الفراغ
إسماعيل بن صالح آل عبد الرحيم
أحسب أن المجتمع يستطيع الخلاص من مفاسد كثيرة لو أنه تحكم في أوقات فراغه ، لا بالإفادة منها بعد أن توجد ، بل بخلق الجهد الذي يستنفد كل طاقة ، ويوجه هذا وذاك إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده ، فلا يبقى مجال يشعر امرؤ بعده أنه لا عمل له.
إن الفراغ في الشرق يدمر ألوف الكفايات والمواهب ، ويخفيها وراء ركام هائل من الاستهانة والاستكانة ، كما تختفي معادن الذهب والحديد في المناجم المجهولة!
يروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني لأرى الرجل فيعجبني ، فإذا سألت عنه فقيل لا حرفة له ، سقط من عيني.
وقال أيضًا: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللًا (أي فارغًا) لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة..
وقال حكيم: من أمضى يومًا من عمره في غير حق قضاه ، أو فرض أداه ، أو مجد أثله ، أو حمد حصله ، أو خير أسسه ، أو علم اقتبسه ، فقد عق يومه ، وظلم نفسه!
والفراغ داء قتال للفكر والعقل والطاقات الجسمية ، إذ النفس لابد لها من حركة وعمل ، فإذا كانت فارغة من ذلك تبلد الفكر وثخن العقل وضعفت حركة النفس واستولت الوساوس والأفكار الرديئة على القلب ، وربما حدث له إرادات سيئة شريرة ينفس بها عن هذا الكبت الذي أصابه من الفراغ .
وقد نبه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- إلى غفلة الألوف من الناس عما وهبوا من نعمة العافية والوقت فقال: (نعمتان من نعم الله مغبون فيها كثير من الناس: الصحة والفراغ) .
ويقصد بالفراغ: الخلو من المشاغل والمعوقات الدنيوية المانعة للمرء من حيث الاشتغال بالأمور الأخروية.
وفى الحديث الآخر: (اغتنم خمسًا قبل خمس) -وعد منها - (وفراغك قبل شغلك) .
يقول بعض الصالحين: فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة ، وكان السلف الصالحون يكرهون من الرجل أن يكون فارغًا لا هو في أمر دينه ولا هو في أمر دنياه.. ويشتد خطر الفراغ إذا كان موجودًا لدى الشباب الذين يتميزون بقوة الغريزة والجدة ، وفى هذا يقول أبو العتاهية:
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة!
ويقول آخر:
لقد هاج الفراغ عليه شغلًا وأسباب البلاء من الفراغ
ولقد قطع الله تعالى المعذرة لأهل الفراغ بقوله: (( وجَعَلْنَا اللَّيْلَ والنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسَابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ) ) [الإسراء:13] فأتاح لهم التكسب من نعم الله وفضله والنظر في مخلوقاته والتفكر فيها واسترجاع طاقات العقل بما ينفع من أمور الدنيا والآخرة.
وبتعدد أنواع الفراغ يمكننا تقييم الحالات التي يصاب بها الشخص من إهدار الأعمال على هامش المفسدة ، فجعل الله صفة"الفراغ العقلي"للدواب وذلك لأنها غير مهيئة لاستخدام عقلها ، فشابهها الإنسان عندما يعطل دور عقله في تحصيل العلوم النافعة ، وهذا هو سر تمييز عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرجال حين قال: أصل الرجل عقله ، وحسبه دينه ، ومروءته خُلُقه .
فلابد من إدراك أهمية ملء الذهن بما ينفع ، فإذا عاش الإنسان في فراغ عقلي فإنما كتب على حياته الدمار ، وأما من ملأ عقله بما ينفعه في دنياه وأخرته فالفوز حليفه في الدنيا والآخرة ، وذلك لأنه كان يغذي عقله لما خلق له في تدبر أمر الله جل علاه والحقوق اللازمة له والتفكر في مخلوقات الله كما أمر تبارك وتعالى بذلك حين قال: (( وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ والشَّمْسَ والْقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ) [النحل:12] .
وأما الفراغ القلبي.. فأوضح الله تبارك وتعالى أن ملء الفراغ القلبي يكون بالإيمان ، وهذا ما أكده ابن مسعود رحمه الله حين طلب منا أن نتفقد قلوبنا في المواطن الإيمانية بقول:"اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القران ، وفى مجالس الذكر ، وفي أوقات الخلوة ، فإن لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك".
وما عليك في هذه المرحلة إلا أن تقض على هذا الفراغ بتقوية صلتك بالله ، حتى تضع في قلبك إيمانًا قويًا ، بدل فراغ قاتل يسمم حياتك.