فالدنيا إذًا بحسب ما يملؤها ويعيش فيها صاحبها من خير أو شر ، وهي مع ذلك مليئة باللهو واللعب والزينة ، وقد حذرنا خالقها من أن نعيش فيها مبتغين منها هذه الأشياء فقال جل وعلا"اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخرٌ بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد"فهي في حقيقتها لعبٌ باطل وفَرَحٌ زائل ، لعبٌ كلعب الصبيان ، ولهوٌ كلهو الشباب ، وزينة كزينة النساء ، وتفاخر كتفاخر الإخوان ، وتكاثر كتكاثُر السلطان ، سريعةُ الانقضاء كثيرةُ التقلب ، إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا ، وإن أغنت في الحال أفقرت في المآل وهكذا ، ولقد اتخذ سلفُنا صالحَ الأعمال فيها سُفُنا لما رأوها مليئة بالشهوات والملهيات ، فأبحروا فيها إلى شاطئ السلامة شاطئ الآخرة ، وحققوا فيها قول الله تعالى"قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين"مرّ شُريحٌ القاضي رحمه الله على قوم يلعبون ، قال ما لي أراكم تلعبون ..؟ قالوا: فرغنا ، قال: ما بهذا أُمر الفارغ ، وقال عمر رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة .. أيها المسلمون: إن الدنيا التي نعيش في ظلالها اليوم صار فيها أنواع من اللهو والترفيه والتسلية لم تخطر ببابل أحد ممن سبقنا ، وقد تقدم العلمُ الدنيويُ والصناعةُ ووفرت للإنسان مزيدا من الوقت والجهد بهذه الآلات التي صارت تقوم بالنيابة عن الإنسان في جميع شؤون أعماله الحياتية ، حتى أصبح الإنسان اليوم يختلف كثيرا عن الإنسان الأمس في مطعمه ومشربه وملبسه ومركبه ولهوه وفي حياته كلها ، إن هذه الصناعةَ الحديثةَ التي تعيشها الدنيا اليوم قامت بتغيير نمط الحياة لدى الإنسان في زراعته وصناعته وحياته ووفرت وقته بشكل كبير ما كان يحلم به إنسان الأمس ، لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليُعقل ، أين ذهبت هذه الأوقات الموفَّرة التي وفرتها هذه الحضارة المزدهرة في عالم الإنسان اليوم ..؟ لقد نشأ بعد الحرب العالمية الثانية علمٌ لدى الغرب اسموه علمُ اجتماع الفراغ ، وكان هذا العلم نتيجةَ كثرةِ الفراغ الذي حصل عند الناس بسبب هذه الكفاءة والتنمية وزيادة الطاقة الإنتاجية والتقدم التقني ، فكيف ملئوا هذا الفراغ الذي كان يهدد إنسانيتهم في عالمهم .؟ لقد ملئوه بأنواعٍ من الترفيه والتسلية الحديثة ، وصار لأجل ذلك صناعاتٌ وشركات ورأس مال هائل ، يُنفَق على التسلية والترفيه .. فهل التسلية والترفيه في عالمنا اليوم كتسليتهم ..؟ هل هذا الترفيه الذي نعيشه ويعيشه أبناؤنا اليوم هو ترفيه مذموم ..؟ إن سنة الله في عالم الإنسان أن فعله متوسط بين عالم الملائكة وعالم الشياطين ، فمُكّن الملائكة بالخير ، يفعلون ما يُؤمرون ، يسبحون الليلَ والنهار لا يفتُرون ، ومُكّن الشياطينَ بالشر والإغواء فلا يغفلون ، وجُعل عالمُ الإنسان متلونا ، وإليه أشار صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم بقوله"ولكن يا حنظلة ساعة وساعة"ففي ساعة الحقوق تؤدون حقوقَ ربكم ، وفي ساعةِ الفتور تقضون حظوظ أنفسكم"إذا .. هي ساعتان ، ساعة تكونُ للعبادة والذكر وأنواعِ الطاعات ، وساعة لقضاء حقوق النفس بالمباحات من الأكل والشرب واللباس والنكاح والنوم ونحوِ ذلك من رياضات النفس وملاعبة الزوجة والأبناء ، فتُعطى النفس حقوقَها ضمن المباح الذي أذن به الشرع ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يلاعب الحسن والحسين ويداعبهما ويلاعبهما ، وكان يداري زوجاته ، ويداعب أصحابه ويقولون: إنك تداعبنا ، قال: إني لأمزح ولا أقول إلا حقا ، وإذن لعائشة رضي الله عنها في النظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد بحِرابهم ، قالت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستُرُني بردائه أنظر إلى لِعْبِهم ، بل لقد أُخذت عائشة رضي الله عنها من الأرجوحة وكانت تلعب مع صواحب لها لتحضيرها للعرس ، وقالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكانت لي صواحب يلعبن معي ، قال بنُ مُفلح رحمه الله تعالى"والعاقل إذا خلا بزوجاته وإيمائه ترك العقل في زاوية ، وداعب ومزاح وهازل ليعطي النفس والزوجة حقهما ، وإن خرج لأطفاله خرج في صورة طفل"فانظر إلى هذا اللهو واللعب للأطفال والصغار حتى للمرأة حديثةِ السن ، وقد استثنى العلماء من الصور: اللُعَبَ للبنات ، والعلة في هذه الرخصة: قال العلماء"وخُصَّ ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور ، وأجاز العلماءُ بيعَ اللُعبِ للبنات لتدريبهن من صِغرِهن على أمر بُيُوتِهن وأولادهن"وكان الصحابة يُعطون الصغار اللُعب لتعوديهم على العبادة كما جاء في حديث الرُّبيِّع بنت معوذ ، قالت: كنا نصوم [ أي عاشوراء ] ونصوِّمُ صبياننا ، ونجعل لهم اللعبة من العِهن ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكونَ عند الإفطار" [ رواه البخاري ] ومن الأحاديث في هذا الباب: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم"كلُ ما يلهوا به الرجلُ المسلمُ باطلٌ إلا رميَه بقوسه ، وتأديبَه فرسه ، وملاعبتَه أهله ، فإنهن من الحق" [ رواه الترمذي ] فكل ما يشتغل به الرجلُ المسلمُ باطل لا ثواب له وإن كان من المباحات إلا رميَه بقوس أو تأديبَ فرسه لما فيه من الإعانة على الجهاد ، وملاعبةِ الأهل ، لأن المرأة بغير ممازحة ومداعبة وملاعبة لا تصلح معك ، وليس المقصود أنه باطل أي محرم .. لا .. لكنه اللهو الذي يؤجر فيه بخلاف اللهو المباح الآخر فإنه لا يُؤجر عليه إلا ما كان يعين على ذكر الله تعالى أو محتسبا اللهو فيه لأجل النشاط للعبادة كما قال معاذ بن جبل لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه"أما أنا فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي"وقال علي رضي الله عنه"روَّحوا عن القلوب ساعة ، فإنها إذا أكرهت عميت"وقال بكر بن عبد الله المُزني: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتبادحون بالبطيخ ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال"عباد الله .. لقد قفز الإنفاق على التسلية والترفيه قفزة عظيمة في هذا الزمن ، فينما كانت الأسرة في أوروبا في عام ألف وتسعمِائة وواحدٍ وخمسين تنفق سبيعنَ دولارا على الأنشطة الترويحية ، قفز هذا المبلغ بعده بعشرين سنة إلى مائتينِ وستين دولارا ، ثم أصبحت صناعة الترفيه في العالم في ازدياد وتضخم ، وتنفق المنطقة العربية في الموسم الواحد قرابة العشرةَ مليارات دولارا ، وينفق السياح العرب أكثر من خمسٍ وعشرينَ مليارَ دولارٍ سنويا في مراكز الترفيه ، وهكذا تستقبل بعض مدن العالم الملايين من الزوار للترفيه حتى بُني منتزه واحد بخمسةٍ وخمسين مليارا من الدولارات ، وتم تطويرُ حديقة عائلية واحدة بسبعة وعشرين ونصفَ مليون دولار ، وافتُتحت منتجعات ومنتزهات ومطاعم ومدن ترفيهية بمئات المليارات ، ومرتبات بعض اللاعبين تصل إلى أكثر من خمسين مليون دولار في السنة الواحدة ، بينما أشهر الأطباء والمهندسين والمفكرين والباحثين والمخترعين والعلماء والقضاة في العالم لا يصل مرتبه السنوي إلى واحد بالمائة من هذا الرقم ، ، كل هذا يا عباد الله في الوقت الذي يموت فيه ملايينٌ من البشر في العالم فقرا وجوعا ، وتزداد البطالة في العالم يوما بعد يوم إضافة إلى الأمية التي تنتشر بين شعوب العالم في عالم مليء بالحضارة والمعرفة ، إن هذه الأجهزة الكثيرة التي خرجت للناس في هذا الزمن من الستلايت والدجتل والشاشات والفضائيات والألعاب الإلكترونية ومدن الترفيه العالمية لها أثرها العميق في نفوس الناس وعقولهم ، واستهلكت بعض الدول خمسين في"