هذا عند الذكور ، أما عند الإناث فالزي الذي ذكرناه سابقًا يمكن أن نجده عند المتشبهات بالرجال منهن اللواتي يلبسن زيّهم ويمشين مشيتهم بل وحتى يجلسن جلستهم ، أما البعض الآخر ممن يفخرن بأنوثتهن ويحرصن على إظهارها فهن الكاسيات العاريات المائلات المميلات ، كما وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللواتي لا نكاد نعرف ليس فقط الواحدة منهن من الأخرى بل نكاد لا نميز بين الفتاة الشريفة وفتاة الهوى منهن ، فالشكل الذي كان مخصصًا لبنات الهوى بات اليوم شكلًا موحدًا لبنات اليوم حسب توجيهات مصممي الأزياء الحريصين دائمًا على إبداء مفاتن الجسد .
أما أخصائيو التجميل فإنهم يطبقون نظرية أحد زملائهم الذي دخل يومًا مع رفيق له إلى حديقة للحيوانات في إحدى الدول الغربية ، فلفت نظره قرد أعجبه فأخذ يتأمله ويراقب الخطوط الحمراء والزرقاء التي تبدو حول عينيه وفمه ، ثم خطرت على باله فكرة شيطانية نقلها إلى رفيقه بقوله:"هل تراهن أني في خلال سنوات سأجعل المرأة تبدو كهذا ؟".
وكسب الرهان وباتت المساحيق التي تغطي الوجه تخضع لمقاييس عالمية تقرها وكالات عالمية وتباع على أساسها تشكيلات الربيع والخريف والصيف والشتاء ... كل ذلك لتبدو المرأة في كل أنحاء العالم نسخة واحدة وصورة مكررة ، فإذا كنت في هوليوود أو في مصر أو في بيروت ، أو في أي مكان من العالم ، لا فرق ، دائمًا المرأة هناك هي نفسها هنا ، الشعر نفسه ، العيون نفسها ، القامة نفسها ... بل حتى الابتسامة نفسها .
لقد أدت الثورة العلمية في مجال الجراحة التجميلية بأحد أطباء التجميل إلى التصريح بعدم وجود فتاة قبيحة اليوم ، فلم يعد هناك شيء اسمه عيب خَلقي ، لا أنف معكوف ، لا أذن طويلة ، لا أسنان منفرة ، لا شيء من هذه الأمور التي كانت تسبب للفتاة فيما مضى العقد النفسية التي تُشعرها بالعجز عن لفت انتباه الرجل إليها... لا ، لا شيء من هذا يمكن أن يحدث اليوم ، بل إن الواحدة من هؤلاء قد تكون كاملة الخِلقة ولكنها تخضع لعملية تجميلية كي تجعل أنفها يشبه أنف تلك الممثلة السينمائية التي أعجبتها في آخر فيلم رأته لها ، لهذا ما عسانا نفعل إلا أن نواسِيَ ذاك الرجل الذي يبحث عن الفتاة الجميلة ، ذلك أنه لم يعد بإمكانه معرفة شكلَ فتاته التي سيتزوجها ، ولم يعد يستطيع أن يتصور شكل أبنائه في المستقبل ... لأنه لا يعرف شكل أمهم كيف كان !!
للأسف هذا هو واقعنا المأساوي اليومي الذي يمكن أن نجده في كل حي وشارع ، فالفتاة الملتزمة تمشي اليوم جنبًا إلى جنب مع الفتاة السافرة التي قد تكون أمها أو أختها أو رفيقتها ، ولا تملك في كثير من الأحيان لها إلا الدعاء تستخدمه سلاحًا تدعو به للآخرين ومن جهة وتحمي به نفسها من أن يصيبها ما أصاب غيرها من السفهاء من جهة أخرى.
إن هذه الصورة المرئية للشكل الخارجي لشباب وبنات اليوم الذي بيّنا بعض ملامحه سابقًا لم تنشأ في نفوس هؤلاء من فراغ ، بل هي تعبير خارجي عن خلجات الروح والقلب والنفس التي وَجدت في هذه التصرفات وسيلة تعبيرية عن الكيان والوجود ، والمثل يقول:"الإناء ينضح بما فيه"، وما يحتويه الإناء لم يعد مخفيًا على أحد بل إنه قد طاف وفاض ونشر رذاذه على من حوله ، ومن هذه الأمور التي فاضت والتي يمكن ملاحظتها ما يلي:
أولا: الفراغ الروحي المتمثل بالبعد عن الله عز وجل أو إنكار وجوده، أواستبدال الحاسوب بأوامره سبحانه ، ذلك الذي أصبح كثير من الناس يحرصون على أوقاتهم معه أكثر من حرصهم على الصلاة التي أمرنا الله عز وجل بأدائها في وقتها ، والتي صارت علاقتهم بها كعلاقتهم بساعة المنبه التي تدقّ عند ساعات الفجر الأولى لتنبه إلى وجوب النوم الذي يمكن أن يستمر حتى ساعات العصر من اليوم التالي إن كان الغد يوم عطلة .
لا يقصد مما سبق نفي الإيمان عن هؤلاء نفيًا مطلقًا ، لا بل على العكس من ذلك فإن بعض هؤلاء يدخلون بحكم استخدامهم للإنترنت وتعرفهم على الآخرين في حوارات كثيرة مع بعض المسلمين الذين يلعبون دور المربّين فيعرِّفون الناس على دينهم ويدخلون معهم في حوارات فكرية هامة .
كما أننا لا نستطيع أن ننكر تأثير بعض الزملاء الملتزمين الذين يذكِّر زيَّهم الإسلامي وتصرفاتهم وعقيدتهم هؤلاء الشباب والبنات بوجود الله عز وجل وبوجوب مخافته ، وإن كانوا في الغالب يتحاشون الدخول معهم في حوارات عقائدية خوفًا من أن يعقِّدوهم أو يجروهم إلى الدين ، لذا فإنك لا تستغرب إن وجدت أحدهم لا يعلم بوجود الجنة والنار بل لعله قد يدهش عندما يخبره أحدهم بما في الجنة من لذائذ ، كما حصل مع تلك الفتاة التي استغربت عندما علمت أن في الجنة خمرة ، وسألتني مستغربة: هل صحيح أن في الجنة أنهارًا من واين"wine"؟
ثانيًا: الفراغ الفكري المتأثر بالفكر المادي المنكر لوجود لله عز وجل المدَّعي اقتصار الوجود والحياة على الحياة الدنيا ، لذا نجد كثيرًا من الشباب الموقن بهذه العقائد يطبق هذه النظريات ويسعى راكضًا لاهثًا وراء الأسباب المادية التي تحسِّن وجود في هذه الحياة الدنيا والتي هي مبتداه ومنتهاه في نظره .
من هنا ليس من المستغرب على من مَلَك تلك العقيدة المادية أن يحصر نظرته إلى السعادة في امتلاك الهاتف الخَلَوي أو الدراجة النارية أو السيارة الفاخرة المميزة بصوت محركها المزعج لكل نائم بعد منتصف الليل .
وليس من المستغرب استبدال هؤلاء الشباب والبنات بالمفاهيم والمعاني النبيلة الموجودة في الشرف والعفة والكرامة والشجاعة مفاهيم أخرى وجدوها في الأنانية والغرور والتفرد بالرأي وتحقير الآخرين والاستهزاء بهم وعدم احترام الكبير وغير ذلك من الصفات التي تدور في فلك"أنا ومن بعدي الطوفان"الذي حكم تعاملهم مع الآخرين من منطلق قاعدة"الغلبة للأقوى"التي يبنون عليها علاقاتهم الاجتماعية والأسرية .
لقد ترك هذا المفهوم الخاطئ عن حب الذات أثره السيء على علاقات هؤلاء الشباب والبنات بالآخرين ، فغابت عن قاموسهم كلمات مثل: العطاء ، المساعدة ، التضحية ، حب الخير وغير ذلك من المفردات والمعاني التي رأوا فيها سلاحًا للضعيف يستخدمه لإثبات ذاته وكسب رضى الآخرين ومحبتهم ، أما هم فإنهم بقوة شخصيتهم وقدرتهم على إثبات ذواتهم لا يحتاجون إلى هذه الوسائل الرخيصة من أجل استجلاب الأنظار إليهم ... بل هم يحصلون على ما يريدون بالقوة والحيلة والخداع وغير ذلك من التصرفات التي تجعل الإنسان في هذه الدنيا يبدو وكأنه يعيش في غابة لا بقاء فيها إلا للأقوى والتي يمثلها قول:"فإن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب".