فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 788

2-غض البصر عن بيوت الناس ، ومن اجل ذلك شرع الله عز وجل الاستئذان قبل دخول البيوت كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنما جعل الاستئذان من النظر ) ) [البخاري6241 ، ومسلم 2156] "إنها ليست عورات البدن وحدها إنما تضاف إليها عورات الطعام وعورات اللباس وعورات الأثاث التي لا يحب أهلها أن يفاجئهم عليها الناس دون تهيؤ أو تجمل أو إعداد وهي عورات المشاعر والحالات النفسية فكم منا يحب أن يراه الناس وهو في حالة ضعف يبكي لانفعال مؤثر أو يغضب لشأن مثير أو يتوجع لألم يخفيه من الغرباء ؟ وكل هذه الدقائق يرعاها المنهج القرآني بهذا الأدب الرفيع أدب الاستئذان ويراعي معها تقليل فرص النظرات السانحة والالتقاءات العابرة التي طالما أيقظت في النفوس كامن الشهوات والرغبات" (3) .

3-غض البصر عما لدى الناس من الأموال والنساء و الأولاد ونحوها مما جعلها الله من زينة الحياة الدنيا كما قال تعالى {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} قال ابن سعدي في تفسيره"لا تمدن عينيك معجبا ولا تكرر النظر مستحسنا إلى أحوال الدنيا والممتعين بها ...." (4) .

4-غض البصر عن النساء الأجنبيات والمردان الذين يخاف بالنظر إليهم الفتنة وسوف يكون مدار الحديث على هذا القسم إن شاء الله تعالى.

والنظر إلى النساء على أقسام: تارة تدعوا إليه ضرورة أو حاجة فلا يباح بدونها وتارة يباح مطلقا وعلى كل حال فإنما يباح بأسباب:

1-العقد: ويدخل تحته عقد النكاح وعقد الملك ببيع أو نحوه ، وعقد النكاح الصحيح يفيد الاستمتاع بالمرأة ، والنظر جزء من هذا الاستمتاع ، بل إن الله عز وجل سمى العقد نكاحا كما في قوله تعالى (الأحزاب:49) {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات...} والمقصود بالنكاح في هذه الآية العقد.

2-ومن الأسباب المبيحة للنظر الصغر:فيجوز النظر للصغيرة لأنها ليست موضع شهوة ولتسامح الناس في ذلك قديما وحديثا ، مع ملاحظة زرع المعاني السامية في نفسها وعدم تعريتها بحجة أنها صغيرة

3-القواعد من النساء كما قال تعالى {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن..} قال ابن سعدي رحمه الله"والقواعد من النساء اللاتي قعدن عن الاستمتاع والشهوة فلا يطمعن في النكاح ولا يطمع فيهن وذلك لكونها عجوزا لا تشتهي ولا تُشتهى فلا حرج عليهن ولا إثم {أن يضعن ثيابهن} أي:الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه ، فهؤلاء يجوز لهن أن يكشفن عن وجوههن لأمن المحذور منها وعليها" (5)

4-المشاكلة: فيباح لكل من الأنثى والأنثى أن تنظر ما ينظره المحرم من المحرم لقوله تعالى {أو نسائهن} والمراد هنا جنس النساء -والله أعلم-على القول الراجح فتشمل المسلمة والكافرة ، إلا إذا ترتب على النظر مفسدة من وصف للرجال أو غير ذلك فإنه حينئذ يمنع سواء أكانت مسلمة أو كافرة

5-ومن الأسباب المبيحة للنظر المحرمية سواء أكانت بنسب أو رضاع و هن المذكورات في قولة تعالى (النساء:23) {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم و أخواتكم و عماتكم وخالاتكم....}

6-ومن الأسباب المبيحة للنظر أيضا:الضرورة والحاجة ويدخل تحتها مسائل منها الحاجة إلى نكاحها أو خطبتها أو الشهادة عليها أو معالجتها أو نحو ذلك ويكون هذا بشروط وضوابط ليس هذا موضع تفصيلها .

خطر إطلاق النظر وبعض آثاره

1-أن النظر إلى ما لا يحل هو زنا العين كما في الحديث السابق (( العين تزني وزناها النظر ) )

2-أن إطلاق النظر سبب رئيسي في إعاقة سير العبد إلى ربه جل وعلا ، واشتغاله عما خلق له من عبادة الله ، بل قد يتعدى ذلك إلى الخروج من دين الله عز وجل والردة عن الإسلام والعياذ بالله كما حصل لبعض الذين أطلقوا أبصارهم في الصور الجميلة من النساء والمردان ، مثل ذلك الرجل الذي تعلق بفتى نصراني وهام بحبه ، وزاد به الوسواس حتى لزم الفراش وكان مما قاله (6)

إن كان ذنبي عنده الإسلام *** فقد سعت في نقضه الآثام

واختلت الصلاة والصيام *** وجاز في الدين له الحرام

فانظر واعتبر من حال هذا المسكين فبعد مجالس العلم وحلقات الدين ، انحطاط إلى أسفل سافلين ، وحال يندى لها الجبينوهذا عاقبة إطلاق البصر ، وتأمل المحاسن ، تورد صاحبها الردى وتبعده عن الهدى ، والأمثلة على ذلك كثير ، منها ما حكاه ابن القيم رحمه الله عن ذلك الرجل الذي قال لمحبوبة عند تغرغر الروح ، رضاك عندي أشهى من رحمة الخالق الجليل!"فأصحاب العشق الشيطاني لهم من تولي الشيطان والإشراك به بقدر ذلك ، لما فيهم من الإشراك بالله ولما فاتهم من الإخلاص له ، ففيهم نصيب من اتخاذ الأنداد ولهذا ترى كثيرا منهم عبدا لذلك المعشوق متيما فيه ، يصرخ في حضوره ومغيبه أنه عبده ، فهو اعظم ذكرا له من ربه ، وحبه في قلبه اعظم من حب الله فيه ، وكفى به شاهدا بذلك على نفسه {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيرهْ} فلو خير بين رضاه ورضى ربه لاختار رضى معشوقه على رضا ربه ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه وتمنيه لقربه أعظم من تمنيه لقرب ربه وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه عليه ، 'يسخط ربه بمرضاة معشوقه ، ويقدم مصالح معشوقه وحوائجه على طاعة ربه ، فإن كان فضل من وقته فضله وكان عنده قليل من الإيمان صرف تلك الفضلة في طاعة ربه ، وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه و مصالحه صرف زمانه كله فيها و أهمل أمر الله تعالى ، يجود لمعشوقه بكل نفيسة ونفيس ، ويجعل لربه -إن جعل لله- كل رذيلة وخسيس ، فلمعشوقه لبه وقلبه ، وهمه ووقته و خالص ماله ، ولربه الفضلة قد اتخذه وراءه ظهيرا ، وصار لذكره نسيا ، إن قام في خدمته في الصلاة فلسانه يناجيه وقلبه يناجي معشوقه ووجهه وبدنه إلى القبلة ووجهة قلبه إلى المعشوق ، ينفر من خدمة ربه حتى كأنه واقف في الصلاة على الجمر من ثقلها عليه ، وتكلفه لفعلها ، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحا بها ناصحا له فيها ، خفيفة على قلبه لا يستثقلها و لا يستطيبها ، و لا ريب أن هؤلاء من الذين {اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} (7) "

ألم تر أن الحب يستعبد الفتى *** ويدعوه في بعض الأمور إلى الكفر

هذا أحدهم قيل له جاهد في سبيل الله فقال:

يقولون جاهد يا جميل بغزوة وأي جهاد غيرهن أريد

لكل حديث بينهن بشاشة *** وكل قتيل بينهن شهيد

فانظر كيف حصر الجهاد فيهن ، ولا يحلو الحديث إلا بينهن ، وكل من قتلنه فإنه شهيد! أو ذلك الذي يعلن:

ولو أنني استغفر الله كلما *** ذكرتك لم تكتب علي ذنوب

فهذا حال اللسان ، أما حال القلب فهو أسوأ:

محا حبها حب الأولى كن قبلها *** و حل مكانا لم يكن حُل من قبل

أقول: وأين محبة الله؟.

ومثل هذا كثير جره عليهم إطلاق أبصارهم ، وهذا من أعظم الأمور أن يعيق إطلاق البصر العبد في سيره إلى الله ، ولو سلم له دينه فإنه يضعفه ويجعله في مؤخرة الركب ، ولا ريب أن في ذلك مخالفة لأمر الله عز وجل بالإسراع بالخيرات والمسابقة إليها ، وقد أطلت في هذه النقطة لخطورة الأمر وأهميته .

3-أن الله جعل ميل المرأة للرجل ، وميل الرجل للمرأة ، وهذا أمر فطري مركوز في النفوس ، ولذلك ضبط الإسلام هذا الميل ووجهه الوجهة الصحيحة ، وفصل بين الرجال والنساء ، و أمر النساء بالحجاب لأن الفساد كل الفساد عند اختلاطهم ببعض ، كما في الصحيحين (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) ) [البخاري5096 ، مسلم2741]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت