لن أجيب عن هذا التساؤل لأني بدوري أطرحه على المهتمين والباحثين في شئون المجتمعات وتطوراتها وحركياتها، ولكن كيفما كان الحال، فإنه لابد لنا أولا وقبل كل شيء من أن نهتم بعنصر الوقت وأن ننشئ أبناءنا على الوعي به وبقيمته.
هنا إذن يبرز دور التربية الوقتية التي نقصد بها تلك العملية التي تقوم على إكساب الفرد وعيا بالزمن وبأهميته، وذلك بتلقينه الوسائل النظرية والعملية الكافية لتنظيم أوقاته وتصريفها تصريفا إيجابيا وفق أهداف وغايات تحددها فلسفة المجتمع وتخطيطه التنموي، وذلك حتى يكون مهيأ لاستقبال ظروف مجتمعه والمساهمة في حل مشاكله أو على الأقل المساهمة في بحثها ودراستها. وحتى يقدر هذا الفرد وقته علينا أن نضبط أوقاته منذ نعومة أظفاره ونسهر على هذه العملية بكامل المسئولية: احترام أوقات الأكل والنوم والوقت الحر (لعب، مطالعة، فسح) وقت الدراسة... المواعيد... إلخ. بالإضافة إلى هذا محاولة الاستفادة من الوسائل التي تستجد في عالم التكنولوجيا والتي تعينه على التعلم الذاتي والبحث عن المعلومات من خلال الاستعانة - مثلا - بالوسائط المتعددة الاتصال: كمبيوتر... إنترنت... إلخ، وذلك حتى يتمكن من مسايرة تضخم المعلومات وتراكم المعارف بسرعة أكثر.
وإذا كنا نعيش بالفعل في عصر تسيطر فيه التكنولوجيا وآلياتها التي تجتاح بيوتنا لتتعايش مع عاداتنا وتقاليدنا جنبًا إلى جنب، إن لم نقل إنها أصبحت تقضي على بعضها لتحل محلها، فما أحوجنا في هذا الظرف إلى خطة ومنهج يتعلقان بترشيد هذه العملة التي هي الوقت. ويتناسبان مع هذه التحديات التي تواجهنا. في الحقيقة قد يقول قائل متسائلًا: ولم هذه التربية الوقتية إذن إذا كنا قادرين على الحصول على وسائل التكنولوجيا (في ميدان الإعلام والمواصلات والإنتاج الصناعي) أليست هذه كافية تماما لبسط سيطرتها والتغلب في آن على المشاكل ومن بينها مشكلة الوقت في حد ذاتها?
بالطبع، لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في حياتنا اليوم، خصوصا كعامل من عوامل النمو والتطور، ولكن من جهة أخرى، يجب ألا يغيب عن أذهاننا أنه لا يمكن لهذه الوسائل أن تؤدي دورها إلا بوساطة عقلية - ذهنية تحسب للزمن حسابا وتقدّره تقديرًا، إذ دون هذه العقلية لا يمكن أن ننتظر النتائج المرجوّة ولو كنا نملك ما نملك من القدرات العلمية والتكنولوجية المتطورة.
فمَن منا يستطيع أن ينكر أن هناك ثروات مهمة وطاقات لا يُستهان بها تهدر وتذهب سدى في مجتمعاتنا لا لسبب إلا لعدم تقدير أبنائها لعامل الوقت، وحتى نتلافى هذا يتوجب أن ننشئ أجيالنا المستقبلية على إدراك قيمة الزمن والوعي بخطورته، ذلك لأن الحرب الطويلة التي ننتظرها غدا هي حرب ضد الوقت.
3-2-1425 هـ
التماس البركة في الوقت
صالح عبد الهذلول
كثير من أهل الخير والصلاح وخاصة من تكون الدعوة إلى الله هي شغلهم ومعظم اهتمامهم يشكون من قلة الوقت وسرعة مروره دونما نتائج تستحق كل ذلك، بل إن بعضهم يتحسر أحيانًا بسبب فوات كثير من الفرص وترك كثير من الأعمال بسبب ضيق الوقت.
ولكن مما ينبغي معرفته في هذا الشأن وملاحظته أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما رغب في قيام الليل مثلًا وصلاة الوتر أو قراءة القرآن، لم يكن جاهلًا بمشاغل الداعية أو أنه قال ذلك الكلام من فراغ، بل إنه - صلى الله عليه وسلم - كبير الدعاة إلى الله ومع ذلك رغب فيما رغب فيه، هذه ناحية، وأخرى أن جهد البشر قاصر وطاقتهم محدودة، فلهذا لابد من التزود من مثل هذه المحاطِّ التي ذكرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعملها، وإلا فالمخالفة والضعف، وربما غيرها كذلك.
ثم إنه لا يستبعد أن قلة البركة في الوقت والتي يشكو منها الدعاة ناتجة عن الارتجالية في توزيعه، لا تلمس هدى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، نعم قد يمر على الداعية وقت ينشغل فيه عن قراءة القرآن أو صلاة الوتر أو يعجز عن قيام الليل أو... بسبب انهماك في أعمال الدعوة لكن هذا لا يكون دائمًا، وإنما هي حالات تطرأ، كما ورد عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنها كانت تؤخر قضاء أيام من رمضان حتى يأتي عليها شعبان لانشغالها بأعمال الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولكن ذلك أحيانًا وليس غالبًا.
ومرة ثانية أقول: إن توزيع الوقت لنا - نحن المسلمين - يجب أن يكون أصيلًا مستلهمًا من شريعتنا ومتبعًا فيه هدى الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وسأذكر مثالًا على التخبط عندنا في توزيع الوقت: وهو ترك صلاة الوتر وعدم قيام الليل وإن من أسباب ذلك وأقواها النوم متأخرًا، وهذا لا شك خلاف هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا ما استثني من ذلك - فتجد كثيرًا من أهل الصلاح لا ينام إلا متأخرًا، وربما منعه شغل يسير أو تشاغل حتى منتصف الليل أو بعده حتى لا يقال نام مبكرًا أو يعرف عنه التبكير بالنوم! !
صحيح أن الداعية يجب أن يبذل نفسه ووقته في سبيل الله ولكن يراعي في ذلك تلمس السنة ويراعي في ذلك أيضًا تفاضل الأعمال، ثم إذا جاءه عارض وشغله عن التبكير أحيانًا، فلا ينبغي أن يعتاد ذلك.
ثم لنعلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عوتب في موقفه من عبد الله أم مكتوم -رضي الله عنه- حينما جاءه ليعلمه الرسول مما علمه الله، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - مشغولًا مع صناديد قريش يطمع في إسلامهم، فعاتبه الله في ذلك عندما ردَّ وعبس في وجه ابن أم مكتوم، فلنتذكر مثل هذا الموقف عندما يجيء أحد ليسمع منك أيها الداعية كلام الله أو يشكو إليك أمرًا في دينه فتمنعه أو تغلق الباب دونه بحجة النوم مبكرًا.
هذا والله أسأل أن يمن علي وعلى إخواني المسلمين بالهدى والسداد وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله أجمعين.
في الوقت الضايع
الشيخ علي العمري
في الوقت الضايع... نريد أن ننهي كتابة المقال.
في الوقت الضايع... نريد أن نأتي بهدفين ليتم الفوز.
في الوقت الضايع... نريد أن نسلم البحث المطلوب تسليمه قبل شهر.
في الوقت الضايع... نريد أن نختم سورة الكهف كاملة قبل المغرب بخمس دقائق.
في الوقت الضايع... نريد أن نختم الأجزاء الثلاثة الأخيرة من القرآن قبل ضرب مدفع العيد بربع ساعة.
في الوقت الضايع... نريد أن نلحق الطائرة وقد أغلق الباب.
في الوقت الضايع... نريد أن نتحرك من بيوتنا للحاق بالموعد في وقته وبيننا وبينه 20 كم.
في الوقت الضايع... نريد أن نذاكر آخر عشرين صفحة من المقرر.
في الوقت الضايع... نريد أن نقطع التفكير الخاطئ وقد قررنا وحكمنا.
في الوقت الضايع... نريد أن نعتذر وقد سببنا كوارث.
في الوقت الضايع... نريد أن نتراجع ووراءنا ألف حق وحق.
في الوقت الضايع... نريد أن نندم ولا ينفع وقتها الندم.
في الوقت الضايع... نريد أن نتأكد من صلاح الأجهزة في قاعة الاحتفالات.
في الوقت الضايع... نريد أن ننادي الخبير ليصلح الخلل، والخلل موجود منذ أسابيع.
في الوقت الضايع... نريد أن ندعو الناس، والعشاء بعد ساعة.
في الوقت الضايع... نريد أن نعقد اجتماعًا، وقد وقع الفأس على الرأس.
في الوقت الضايع... نريد أن نفوز، وأن ننتج، وأن يصفق لنا الناس، وأن يشكرونا على الإبداع، وأن يحتفوا بنا.
في الوقت الضايع... نريد أن ننجز كل شيء وبكل إتقان، وفي الوقت الضائع نريد أن نتوب ونكون من الصالحين، وفي الوقت الضائع نريد السعادة.