ب ـ ومن المقاصد النبيلة الدعوة إلى الله لكن قد يصحبها أخطاء كثيرة فنرى مثلًا أن الداعي ـ المعجب ـ يجلس مع المدعو لأوقات طويلة جدًا وكل هذا الوقت للأسف يذهب في الأحاديث الغير مفيدة والسؤال عن الأحوال وقليلًا ما يخرج منها كلمة دعوةٍ أو توجيهٍ أو نصحٍ بل نجد أن غالب الكلام مجاملات.
أخي: الدعوة ليست شمّاعة نلقي عليها أخطاءنا.. الدعوة لا تتطلب طول الجلوس ومجاملات بقدر ما تحتاج إلى الإخلاص لله تعالى لنيل رضاه.. ومن الملاحظ أن الدعوة التي حدث فيها أخطاء من طول الجلوس بغير فائدة ومجاملات لم ينتج عنها إلا القليل القليل.. ومن ناحية أخرى نجد أن الداعي يتنازل عن أشياء كثيرة, مثل: الخروج من المحاضرات لأجله, و بعض الحركات الغير لائقة ولا بأس بها من وجهة نظره .
أخي: نحن لا نُنكرُ أن الدعوة لابد أن يكون بها اللين والرفق والسهولة ولكن لا يعني ذلك التنازل والخَوَر، فهل نتجه إلى المفضول وندع الفاضل ؟
ج ـ احترام الأستاذ وتقدير المربي.. أخي لاشك أن الأستاذ والمربي قدوة لكن لا يعني ذلك التعلق المذموم به بحيث تكثر التفكير فيه والاهتمام به ومراقبته بكل وقت وخلق المناسبات لمقابلته. نعم الاحترام والتقدير مطلوب ولكن المفروض أن لا يتعدى حدوده.
6ـ الفراغ ـ الفراغ العاطفي الذي يعيشه الشاب ـ: الوقت هو عمري وعمرك.. هو الحياة.. والشباب هو زهرة عمر الإنسان وعين حياته.. فالخاسر منا من ضيع هذا العمر فيما لا طائل فيه، فإن الوقت إذا لم يشغل بالطاعة أشغل بالمعصية, والشخص الفارغ يكثر التفكير والخواطر, فيوسوس له الشيطان ويغرس المعصية في قلبه.
قال الشاعر:
دقات قلب المرء قائلة له *** إن الحياة دقائق وثواني
وقال الشاعر:
لقد هاج الفراغ عليَّ شُغلًا *** وأسباب البلاء من الفراغ
فحينما يخلو الشخص من شواغل يقضي به وقته فإنه يحيي أيامه بالأحداث وتذكرها، فيقلب الحوادث ويعيدها في ذهنه ففي ذلك اليوم كتب كذا.. وقلت كذا.. وقال كذا.. وحدث كذا.. والسبب الفراغ فلا سماع للأشرطة ولا قراءة للكتب ولا حمل لهمِّ الدعوة ولا طلب للعلم.. فالنفس إذا لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
7 ـ الهموم الأسرية: فمنها فقدان الحنان أو الإحساس بالإهمال وعدم الاهتمام فيبحث الابن عمن يجد عنده ما فقده في البيت, وخاصة أولئك الذين يعانون نقصًا في المحبة, ويعيشون الحرمان, فهم يستسلمون بسرعة إلى ما يظهره الآخرين من عشق ومحبة, هذا الحرمان يكون سببًا في سرعة انخداعهم ووقوعهم في وحل العشق الشيطاني.. وأحيانًا تنتج هذه العلاقات نتيجة للاهتمام الزائد من الأسرة... فيلجأ لمثل هذه العلاقات حتى يستمر الاهتمام حتى خارج المنزل لاعتياده عليه... فيلجأ إلى هذه العواطف الحميمة"الإعجاب".
وأود أن أنوه بأن هذه ليست قاعدة أساسية.. وليس شرطًا في أن الهموم الأسرية تسبب هذه العلاقات لأننا نرى كثيرًا من الإخوة يحملون همومًا كبيرةً وعظيمةً.. ومع ذلك فهو قمة في التعامل والأخلاق والدين بالرغم من همومهم.
8 ـ الجهل وقلة الوعي في هذه الأمور وعدم الفهم الصحيح لمعنى الحب في الله والخلط بين الحب في الله وبين التعلق بالأشخاص.. فلا يعرف أين موقع العاطفة ولا مكانها ولا أين يصرفها.. وجهله أيضًا بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
9 ـ الشفافية في العواطف وشدة الحساسية: لماذا تقول كذا ؟ .. لماذا فعلت كذا ؟ .. وكلها قد تدخل في الأنانية وحض النفس.. فينبغي علينا أن نوطِّن أنفسنا على حسن التعامل مع الآخرين ونبتعد عن الأنانية التي بسببها وبسبب الشفافية والحساسية الزائدة يستمر العتاب.. وكثرة العتاب داعية إلى الملل..كما قال ابن خارجة وقال الأصفهاني:"من عاتب على كل ذنب أخاه فخليق أن يمله ويقلاه".
فالنفس تدعو الإنسان لأشياء كثيرة.. فلا تدخل نفسك الأنا وابتعد عن الشفافية في المشاعر ولا تواجه من حولك بالكلمات القاسية لأسباب بسيطة باسم ـ الصراحة ـ لأن في ذلك إشباع لحظ النفس ـ الأنا ـ. (الأنا:الأنانية)
10 ـ حُبُّ المظاهر والتجمل الزائد عن حد المعقول حتى أصبحت هذه الأمور هي هاجس الأخ ومن أهم الأمور التي تشغل تفكيره وجميع جوارحه.. والتجمل الزائد يؤدي إلى الافتتان وانطلاق كلمات المجاملة من هنا وهناك مما يؤدي إلى المبالغة أكثر وأكثر وهكذا..فيلفت القلوب والأنظار إليه مما يؤدي إلى الإعجاب ومن ثَمَّ إلى العشق.
11 ـ كثرة الجلسات غير الهادفة والمبنية على تجانس الطبع.
12 ـ فقدان القدوة منذ النشأة الأولى. فعدم وجود القدوة الصالحة التي توجه عواطف الشاب إلى ما ينبغي حبه, كحب الله عز وجل ورسوله, والصالحين من الصحابة رضي الله عنهم والعلماء.
13 ـ الخلل في عملية تقييم الأفراد.
14 ـ ضعف الهمة وعدم علوها عند بعض الشباب.
15 ـ إهمال جانب التربية الذاتية وتغليب جانب التربية الجماعية على الفردية.
16 ـ افتقار كثير من الشباب إلى التوجيه والتربية السليمة.
17 ـ الغفلة عن الله والدار الآخرة.
18 ـ الإفراط في النظر في جميع الوجوه وشدة التأمل.
19 ـ عدم مصارحة الأفراد والمربين الذين يقعون في هذه المشكلة.
* أما عن الأسباب التي قد تؤدي إلى هذا الداء في الأوساط والمؤسسات التربوية, إضافةً إلى ما سبق، فمنها:
20 ـ ضعف شخصية الشاب وهذا ناتج من خلل في تربيته: فلا يستطيع الشاب صاحب الشخصية الضعيفة التحكم بعواطفه ومشاعره, بل تنجرف مع التيار.
21 ـ عدم ربط المتربي بالقدوة المعصوم صلى الله عليه وسلم .
22 ـ التسويف في التحذير من خطورة التعلق بالأشخاص بحجة اجتذابه وعدم تنفيره، والزعم أنه في أول الطريق.
23 ـ عدم ربط المتربي بالاتصال بالله والتعلق بدين الله.
24 ـ تغليب جانب العاطفة في التعامل مع المتربي وتحكيمها.
25 ـ عدم التركيز على بعض المفاهيم الدعوية التربوية مثل: ( الفرق بين حب الله وحب الأفراد، وبين الحب في الله والحب مع الله ) .
26 ـ عدم تحذير المتربين من خطورة التعلق بالأشخاص.
27 ـ عدم انتباه المربي لهذه المشكلة مما يجعل الأمر مستفحلًا.
28 ـ تزيين الشيطان للمربي بأنه مهم وجذاب مما يغبِّش عليه خطورة هذه المشكلة.
29 ـ بروز الصفات الجاذبة عند المربي ( الخطابة, العلم, الذكاء,... ) .
الآثار والنتائج المترتبة على العواطف ـ التعلق ـ: ـ
آثاره تكون من جهتين:
1 ـ آثار من جهة أنه معصية من المعاصي والمعاصي لا شك أن لها آثار وأضرار ونتائج.
2 ـ آثار من جهة أنه التعلق بالأشخاص نفسه, فمنها:
1 ـ الشرك بالله: فلا يجتمع في القلب حب الله وحب غيره لأن من أحب شيئًا وخضع له فقد تعبد قلبه له.. فأصل الشرك بالله الشرك في المحبة قال تعالى:"ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله.."لذا فإن العاشق لا يجد حلاوة الإيمان التي من شروطها:"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله". ومن تعلق بغير الله عُذِّب به فمن تعلق بزميل له نجد أنه يكثر الحديث عنه والتفكير به ويتعذب من أجله ولذلك نلاحظ أن أكثر ما يكون في الشعر من البكاء والنحيب والصياح والنياح هو شعر الغزل وأهل العشق يتحدثون بقلوب مجروحة وعيون دامعة..نرى كذلك إخوتي أن بعض المراهقين الذين يتعاطون الحب كلامًا
بألسنتهم وأحاديث في مجالسهم ربما كتبوا بالخطوط العريضة [ الحب عذاب ] وهذا صحيح كما قال العلماء: الحب أوله لعب وأخره عطب.فهي في البداية كلمة أو نظرة ولكنها في النهاية تورد الإنسان موارد الهلاك..