بل حتى قضاء الوطر من الأهل يؤجر العبد فيه ففي صحيح مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال: (( وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) ).
إن الترويح إذا لم يَسْتَمِدَّ وسائله من البيئة التي يوجد فيه فأنه يصبح عاجزًا عن العطاء وعاجزًا عن تحقيق الأهداف التي يسعى إليها المجتمع .
إنه لا بد أن يضبط كلُ ترويح بضوابط الشرع المطهر وتراعى قيمُ المجتمع والأعرافُ التي لا تخالف الشرع .
إن من الترويح ما يكون محرمًا كما إذا صاحبه سخرية بالناس أو لمز أو ترويع لهم قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) ( الحجرات:11) .
ومما يُحذر منه غايةَ الحذر ما يصاحب هذا الترويح من إسرافٍ وتبذير واستهانةٍ بنعم الله وإهدار لنعمه المال في غير نفع فإن الله يقول: (( وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) ) ( 26- 27) .
(( وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) ) (الفرقان:67) .
وقال سبحانه: (( وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) ) (الأعراف:31) .
أيها المسلمون:
ومما يحرم ذلك ترويح يصاحبه أذية بقولٍ أو فعل أو ضرر بدني أو معنوي للآخرين قال الله تعالى: (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) ) ( الأحزاب: 58) .
وفي الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ).
وكذلك مما حرم من الترويح ما فيه كذب وإفتراء لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ويلٌ للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ، ويلٌ له ويلٌ له ) ) [4] .
ومما يحرم من الترويح ما يقوم على الغناء والمعازف والموسيقي لورود الأدلة بتحريمها قال تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) ) (لقمان:6) .
وفي الصحيح البخاري أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( ليكوننْ من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) ).
الغناء يُنقص الحياء، ويفسد النساء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، ويفتح أبواب الشر.
ويقول أبن القيم ـ رحمه الله ـ ( والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب أنه ما ظهرت المعازف والآتُ اللهو في قومٍ وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سَلّط الله عليهم العدو و بلوا بالقحط والجدب وولاة السوء) .
ومما يحرم من الترويح المسابقات التي يستخدم فيها أدوات جاء النص بتحريمها مثل النرد والشطرنج ونحوهما ،ومثل ذلك ما يقوم على الجهالة والغرر .
ومما يحرم من الترويح اختلاط الرجال مع النساء فإن ذلك يؤدي إلى نظر بعضهم إلى بعض وطمع الذي في قلوبهم مرض وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( ما تركت بعدي فتنه هي أضر على الرجال من النساء ) ) [5] .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنه بني إسرائيل كانت في النساء ) ).
أيها المسلمون:
إن حضور النساء إلى مجامع الرجال بكامل الزينة فتنهٌ عظيمة تُسَبِّبُ قلةَ الحياء لدى المرأة ، وطمع السفهاء فيها، وتبادلَ الأرقام للمعاكسة ومن ثَمَّ تُفْتحُ أبواب الفاحشة ، وعندها تقع الكارثة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا نشاء فيهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلام فهم الذين مضوا ) ).
لقد نهى اللطيف الخبير النساء عن التبرج لخطورته وضرره وأمر المرأة بالقرار في بيتها فقال: (( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) ) ( الأحزاب: 33) .
قال مجاهد (كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية الأولى ) وقال قتادة: ( كانت لهنَّ مشية تكسِّر * فنهى الله عن ذلك ) ( أ.ه )
وإن مما يؤلم كلَّ غيور ما حصل على الدائري الشرقي قبل البارحة من اختلاط الرجال بالنساء وما جرى بسبب ذلك من معاكسات ومنكرات وإسراف يؤذن بعقوبة الله عز وجل فلا ندري هل غارت الغيرة من القلوب؟.
يأخذ بعض الناس محارمهم ونسائهم إلى مجامع الرجال لينظروا إلى قدرٍ نصب وطعامٍ صُنع كأنهم لم يروا من العجائب شيئًاَ وكأنهم لم يأكلوا طعامًا قط منذ مدةٍ من الزمن .
أفلا نتقي الله يا أمة الإسلام ؟ أفلا نخاف عقوبة الله ؟ ألا نشكر نعم الله ؟ أين غيرتكم ما معشر الرجال ؟
أين ما أعطاكم الله من القوامة ؟ أين الرجولة والحميّة ؟ يقول على رضي الله عنه ( ألا تستحقون ألا تغارون فإنه بلغني أن نساءكم يخرجن إلى الأسواق يزاحمن العلوج ) .
فالله المستعان، لقد أصبح بعض الرجال ضعيفًا هزيلًا أمام زوجته وأولاده فلا قيمة له ولا حيلة له بل يصرفونه كما يريدون ولو كان في هذا فسادُ أخلاقهم ودينهم إننا ـ يا عباد الله ـ لا نعارض الترويح وإزالة السآمة من الأهل ولا نعارض إدخال السرور عليهم بل نشجع عليه لكن بالضوابط الشرعية ، وبالقدر المعتدل فاتقوا الله يا عباد الله وتذكروا أن الله يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حَرّم عليه ، تذكروا أن الاستعانة بنعم الله على معصيته عن أسباب العقوبة ، وتأمّلوا في أحوال من حولكم ممن سلب نعمة الأمن ورغد العيش كيف يعيشون اليوم؟
والسعيد من اتعظ بغيرة .وما حملني على ذلك إلا إرادة النصح والخوف من نزول العقوبة
(( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ) (النحل:112) .
اللهم أحفظ علينا أمننا وإيماننا وأصرف عنا كل منكر وأذى، اللهم ومن أراد لمجتمعنا تبرجًا واختلاطًا فحل بينه وبين ما يريد، وأشغله بنفسه ، واجعله عبرة للمعتبرين .
الخطبة الثانية
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسَلّم عليه وعلى آله وأصاحبه ومن تبعهم بإحسان .
أما بعد . عباد الله
اتقوا الله في أنفسكم واتقوا الله في مَنْ تحت أيديكم وتذكروا أنكم جميعًا أمناءُ كلٌ في موقعه وفيما أُسند إليه من مسئوليات ، وأنكم مسئولون أمام الله عز وجل ـ عن هذه الأمانة حَفِظْتُمْ أم ضيعتُمْ (( فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ) )كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم . ( خ -2554 - م 7129 ) .
يا أمة الإسلام:
إن سنة الله في هذه الحياة لا تتغيرّ ولا تتبدل فالأمة التي تسير على شرع الله ، وتنهج نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتحافظ على حدود الله وتقيم شرع الله فلها العزة والأمن والتمكين، ولها سعادة الأبد في الآخرة .