وواصلت دولةُ الإسلامِ الفتيةِ جهادَها وفتوحاتِها في عصرِ الخلفاءِ الراشدين, حيث تحققَ خلالَ ذلك العصرِ البديعُ تدميرُ أعظمَ دولتين في ذلك الزمانِ, وسار على المنوالِ نفسه خلفاءُ بني أميةَ, فقد ظلتْ سوقُ الجهادِ في أيامهم على قدمٍ وساق, ثم خلفَهم بنو العباسِ الذين وصلت فتوحاتُهم أقاصي الدنيا, شرقا وغربا, ثم أخذت حركةُ الفتوحاتِ بالتَوقفِ, وانتقلتْ الأمةُ من موقعِ الهجومِ إلى موقعِ الدفاعِ, ومن ثم أخذتْ دولةُ الإسلامِ في الانحسارِ والتراجع, حتى كانت قاصمةُ الظهر بإعلانِ سقوطِ الخلافةِ الإسلاميةِ, وزوال الدولة العثمانيةِ, والتي كانت آخرَ فتيلٍ من شمس الإسلامِ التي عمت أصقاعَ الدنيا ردحًا طويلا من الزمان, حتى آل الأمرُ بعد ذلك إلى تمزقِّ العالمِ الإسلامي شعوبًا وأحزابا, كلُ حزبٍ بما لديهم فرحون, وحتى العرب الذين حملوا رايات الجهادِ الأولى تقطعوا وتمزقوا, وتفرقوا إلى اثنتين وعشرين أمةً, كلُ أمةٍ تلعنُ أختها, وفي الوقتِ الذي كانت دولةُ الإسلام تنحدرُ ذلك الانحدارَ المخيفِ, حتى استقرت في قاعِ الهاويةِ. كان الغربُ الصليبي محافظًا على توازنه, آخذًا في السمو والارتفاع, محققا إنجازًا مذهلا في تقدمه التقني والصناعي, والحربي والزراعي, ومن ثم أحكمَ سيطرتَه على العالمِ بأسرهِ, والعالمِ الإسلامي على وجهِ الخصوصِ, ذلك العالُم الذي أذاقهُ الأمرَّين, وسقاهُ كأسَ الذُلِ ردحًا من الزمانِ, وفجأةً استيقظ المسلمونَ وإذا بالأرضِ غيرِ الأرضِ التي يعرفون, فلم تَعُدْ هناك أرضُ خلافةٍ لا تغيبُ عنها الشمس, ولم يعدْ هناكَ خليفةٌ يقول: (أمطري يا سحابةُ أنىَّ شئتِ، فسيأتني خراجُك ولو بعد حين ) , ولم يعدْ هناك خليفةٌ تدفعهُ مروءتُهُ ونخوتُه إلى تسييرِ جيش بأكملهِ, فينتصرُ لامرأةٍ مسلمةِ صفعهَا عِلجٌ نصرانيٌ جبان .
وانقسم المسلمون المفْجُوعونَ بهولِ المصيبةِ, وفداحةِ الكارثةِ, وضغطَ الواقعِ الكئيبِ, انقسموا إلى فريقين, فريقٌ له عقلُهُ الراجح,ُ ورأيهُ السديد, يُنادي بالعودةِ إلى الأصولِ, والارتشاف من المعينِ العذبِ الذي ارتشفَ منه أبو بكرٍ وعمرٍ, وطلحةَ والزبير, وفريقٌ مغفلٌ مغرورٌ مخدوعٌ ببريقِ عبدةِ الصلبانِ الذين آووه واحتضنوه, وأرضعُوه كأسَ التبعيةِ والولاءِ لهم, وسقوه عُصارةَ الفسقِ والإلحاد, فرأى هذا الفريقُ الأرعنْ, والخصمُ النكد, رأى الحلَّ لمشكلاتِ الأمةِ المتخلفةِ, رآه في إقصاءِ الدين, ونبذِ القيمِ, ورأى الحلَّ كذلك بعد أن فكر وقدر, فقتل كيفَ قَدَر, ثم قُتل كيف قدر, رآه في إنشاءِ الملهى الليلي, والمسرحِ الفجوري, والفيلمِ الداعرِ, والأغنيةِ الماجنةِ, والشواطئِ العاريةِ, وأخيرًا تفتقت أذهانهمُ الخاويةُ, وعقولهُم السقيمةُ, عن إلهاء الشبابِ أملُ الأمةِ الواعد, وشريانُها النابض, إلهاء الشبابِ بالرياضةِ والكرة, والتي أصبحتْ لدى الكثيرينَ وثنًا يعبدُ ويقدس من دون الله تعالى.
ولم تُعدْ الرياضةُ وسيلةً لتقويةِ الأجسامِ, والاستعدادِ للنزالِ وجهادِ الأعداء, كما كنا نتوهمُ قديمًا, ولم تعدْ وسيلةً للترويحِ البريءِ على الأقلِ, بل أصبحتِ اليومَ تُزاحمُ العقيدةَ, وتضطرُها إلى أضيقِ طريقِ, وأصبحَ الولاءُ للأزرقِ والأحمر والأخضرِ والأصفر, حتى وصلَ الجنونُ ببعضهمِ إلى اختيارِ لونِ سيارتِهِ وحيطانِ بيتهِ, وغرفةِ نومهِ وملابسِ أطفالهِ, بحسبِ شعار فريقهِ المفضل, وبلغتِ العصبيةُ الرياضيةُ ببعضهمِ إلى الخصومةِ والقطيعةِ, حتى داخل نطاقِ الأسرةِ الواحدة, حيث تعددتِ الولاءَاتُ, واختلفتِ الانتماءات , فمِن متعصبٍ للأزرقِ ومن متعصبٍ للأحمرِ, ومن متعصبٍ للأَخضرِ, كلٌ يشتمُ صاحبَه ويبغضَهُ ويعاديهِ من أجلِ الكرة, أو يحبهُ ويواليهِ من أجلها كذلك, وقد تحدثُ الخصومةُ بين الزوجينِ, فتُطلقُ الزوجةُ, وتتشتتُ الأسرةُ, وتُخْربُ البيوتُ من أجلِ الكرةِ, وقد تحدثُ قطعيةُ الأرحامِ وعدا واتِ الأقاربِ, بسببِ الانتماءاتِ الرياضيةِ المتنافرة, ولقد تميعت العقيدةُ لدى بعض المشجعينَ, بحيثُ لو سَبَّ أحدُهمُ دينَهُ وعرضَهُ لما حرّك ساكنًا, لكنه يقيمُ الدنيا ولا يُقعُدها لو سبَّ إنسانُ فريقَهِ المفضل, وإن شئت قل: معبودَه ووثنه, كلُ ذلك جهلًا وعصبيةً, وهمجيةً ورعونةً, وقد بلغَ الهوسُ الرياضي مبلَغهُ, حيث أصبحتِ الكرةُ تُلعبُ صباحًا ومساءً, وعشيًا وحين يظهرون, واكتضتِ الملاعبُ بعشراتِ الألوفِ من الشبابِ الغافلين الذين خُدعوا وضُللوا حين صوروا لهم الانتماءَ الرياضي, والتشجيعَ الكروي نضجًا ورجولة, ومجدًا وبطولةً, وجعلوا قُرةَ العين مجاهدةَ النصارى والوثنيين في مسابقةِ الكأسِ الثميِن وكأنها ملحمةُ حِطين .
وفي الملاعبِ تكتظُ الجماهيرُ تحت وهجِ الشمسِ الحارقةِ, والسمومِ اللافحةِ, أو تحتَ الصقيع القارسِ, وهم مع ذلك صابرون فخورون فقد أقنعوهم بأنهم الجماهيرُ الوفيةُ, وأنهم الجماهيرُ الصابرةُ, والجماهيرُ الملازمةُ لمحبوبِها, تَحِلُ حيثُ حلَ وتقيلُ حيثُ قَالَ, وتُوأزرهُ في السراءِ والضراءِ, والمنشطِ والمكره, واستُبدلتْ صيحاتُ التكبير الله أكبر بتصفيقِ الجماهيِر اللاهثةِ خلفَ السراب, المخدوعةِ بمعسولِ الثناءِ, ألم يقال لهم: أنتم الجماهيرُ الوفيةُ, وأنتم الجماهيرُ المخلصةُ, وهكذا يَظلُ المساكينُ , يُتابعون الكرةَ بأعصابٍ متوترةٍ, وأعناقٍ مشرئبةٍ, وأنفاسٍ مُجَهدةٍ, تسعون دقيقةً يلعنُ بعضهم بعضًا, ويسبُ بعضهم بعضا, وأما كبارُ المشجعيَن وقادةُ الجماهيرِ, فقد حملوا مزمارَ الشياطينِ وطِيران الأبالسةِ, وتمايلوا يمنةً ويسرة نشوةً وطربًا, يرددون الأناشيدَ الفارغةِ والأهازيجَ السخيفةِ, ويسخرونَ بمقام النبي صلى الله عليه وسلم حيث يجعلونه مادةَ أناشيدهمِ, بل ويُلحدون في كتابِ الله تعالى حين يرفعون يافطا تٍ عريضة كُتب عليها: (( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) )أو قوله تعالى: (( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُم ) )أو قوله تعالى: (( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) )إلى غيرِ ذلك من الإلحادِ والظلمِ الكبير .
وأما عقبَ المبارياتِ, فتنطلقُ الجماهيرُ في الشوارعِ أشرًا وبطرًا, ورئاء الناس حيث يملؤون الدنيا ضجيجًا بصراخهمِ وسفههمِ, وجنونهمِ وحماقتِهم, ويرفعون أعلامَهمَ فوقَ سياراتهمِ, منطلقينَ بسرعةٍ جنونية, وحركاتٍ شيطانية يفسدون البلادَ ويؤذن العبادَ, وأما المصادماتُ والمضارباتُ, وأحداثُ الشغبِ داخلَ الملاعبِ وخارجِها فحدث ولا حرج, فمن يحملُ وزر هؤلاء ؟! ومن يوقفُ هؤلاء عن هذا الطيش والسفه؟!
أيها المسلمون:
لقد أخذت الرياضةُ بُعدًا منحرفًا عن البُعد الذي كانوا يتحدثون عنه, وعن العباراتِ التي زينوا بها حيطانَ المدارسِ كقولهم: العقلُ السليمُ في الجسمِ السليمِ، وقولهِم: الرياضةُ بدنٌ سليمٌ وعقلٌ مبتكرٌ, فقد أصبحتِ الرياضةُُ كما ترون وتسمعون سفهً و جنونًا, وعصبيةً وأحقادًا, وقطعيةً وعداوةً, ومن أجلِ الرياضة أُبيدتْ الثروات وأنفقتْ الأموال, ومن أجلِ الرياضةِ أضيعتِ الصلواتُ واتبعتِ الشهواتُ, ومن أجلِ الرياضةِ أغدقتْ على اللاعبين الدراهمِ والدنانير وخلعتْ عليهم الألقابُ, وصوروهم للناشئةِ أبطالًا ونجومًا, فأيُّ بطولةٍ هذه وأي نجوميةٍ تلك ؟! لكنها المقاييسُ المقلوبةُ, والمعاييُر المنكوسةُ !
أيها المسلمون: