وميزان الدعاة الذين يحملون مسئولية الدعوة يختلف عن ميزان المسلم العادي أو الضعيف. فالداعية ينهض لمسئوليات أوسع تناسب طاقته ووسعه الذي جعل منه داعية لله ولرسوله. هؤلاء الدعاة يعطون الدعوة بخصائصها الربانية، لا بخصائصها الحزبية، جهدًا أكبر وبذلًا أعظم. فانظر كيف يصبح الليل والنهار عندهم:
{كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات:17،18] .
وكذلك نتذكر النبوة الخاتمة وصحابتها الأبرار وهم يقومون الليل ليعدوا أنفسهم لعبء الدعوة إلى الله ورسوله، إلى الإيمان والتوحيد:
{إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك ….} [المزمل: 20] .
هكذا يصبح الميزان لدى الدعاة إلى الله ورسوله، لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، إنهم قليلًا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون. وصورة أخرى.
{تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون} [السجدة: 16] .
هذه قبسات من كتاب الله تصور لنا جانبًا من حياة المؤمن الداعية وجانبًا من تنظيمه لوقته حتى يوفي بالأمانة الملقاة على عاتقه.
كيف لا يضيق الوقت حين يريد المسلم أن ينام حتى يطول نومه، ويأكل حتى يشبع من الأكل ويتخم ويتكور بطنه، ويلهو ويتمتع بمباهج الحياة الدنيا حتى يشبع ولن يشبع، ويجمع من المال لاهثًا يأمل أن يقنع ولا يقنع؟!
كيف لا يضيق الوقت وهو يرى أن شؤون بيته وزوجته وأولاده هي همه الأكبر، أو أن حصوله على الشهادات العليا يزين بها بيته ويرفع بها سمعته، أو أن تجارته وتنمية أرباحه هي واجبه الأكبر، أو أن الوفاء بحقوق الوظيفة وحدها أو السعي لها هي شغله الشاغل، ثم يضع مسئوليات الدعوة إلى الله ورسوله آخر ما يفكر فيه أو يبالي به؟! كيف لا يضيق عليه الوقت؟!
إن الموازنة الأمينة تبتدئ في تحديد مسئولياته وأمانته في هذه الحياة الدنيا كما حددها له مناهج الله، ثم يعطي كل مسئولية حقها على أساس من القواعد الربانية التي فصلها منهاج الله.
ولكل مسلم دور وواجب ومسئولية. وهنالك حد أدنى من المسئوليات يشترك فيه المسلمون جميعًا. ثم تنمو المسئوليات مع نمو الوسع والطاقة، حتى إذا أصبح المسلم داعية لله ورسوله، منطلقًا من إيمانه وعمله ويقينه، فلا حق له إلا أن يعتبر قضية الإيمان والتوحيد والدعوة لها هي القضية الأكبر والأخطر في حياته، ثم تليها سائر القضايا حسب وزنها ومنزلتها في منهاج الله.
تحديد المسئوليات والواجبات تحديدًا واضحًا هي نقطة الانطلاق في الموازنة الأمينة لتنظيم الوقت، ثم تحديد منزلة كل مسئولية وأهميتها على أساس من ميزان رباني دقيق يفصله منهاج الله.
لا يوجد في الإسلام إنسان دون مسئولية. فكل فرد مسئول، وكل فرد محاسب بين يدي الله، وكل فرد عليه تكاليف ربانية أمر الله بها في مختلف ميادين الحياة: نحو نفسه، وبيته وأسرته، ووظيفته وتجارته، ودينه ودعوته، وأمته:
فعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته. والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه. ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) (1) .
ثم تأتي تفصيلات التكاليف في الكتاب والسنة. ثم نظَم الإسلام حياة المسلم اليومية والأسبوعية والسنوية. حدد موعد نومه واستيقاظه وراحته، ووقت سعيه وبذله، ومواعيد الشعائر كلها، ورسم له سياسة إنفاقه وميادين جهاده. رسم له الإسلام منهج حياة متكاملة.
فعلى المسلم أن يعي هذا النهج ويتدبره ويمارسه بأمانة ووفاء عليه أن يضع على ضوء منهاج الله وعلى ضوء واقعة خُطته الخاصة ليومه وأسبوعه، أو لشهره وسنته.
على المسلم أن يعرف تكاليفه ومسئولياته، وعليه أن يعي واقعة من خلال منهاج الله، لا من خلال أهوائه وشهواته.
وإنها مسئولية البيت والمعهد ومؤسسات الأمة، وكذلك الدعوة الإسلامية ودعاتها وجنودها، هؤلاء كلهم مسئولون عن إعداد المسلم وتدريبه على احترام الوقت وتنظيمه، ووضع نهجه وخطته لذلك.
إن التدريب جزء أساسي رئيس في الإعداد والبناء. إنه جزء رئيس في تربية الناشئة والأطفال، والفتيان، والشباب، على النهج والتخطيط لأمور حياتهم ومسئولياتهم، ومن أهم هذه الأمور احترام الوقت وتنظيمه.
إنها قضية تقدير أولًا، ثم هي قضية تدبير بعد ذلك. والتقدير علم وإيمان، والتدبير نهج وتخطيط. فإذا وعى المسلم منهاج الله وواقعه وضع خطته على أساس من ذلك، على أساس الركنين الأساسيين في النظرية العامة للدعوة الإسلامية: المنهاج الرباني والواقع.
وانظر إلى هذا التوجيه الرباني في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فعن أبي هريرة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (بورك لأمتي في بكورها) [أخرجه الطبراني في الأوسط] (1) .
وعن صخر بن وداعة الغامدي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (اللهم بارك لأمتي في بكورها) [رواه أبو داود والترمذي والدارمي وابن ماجه] (2) .
ونظم الإسلام أوقات الصلاة، وأوقات الصيام والإفطار والحج، ونظم وقت العمل والراحة، وربط ذلك كله بالإيمان والتوحيد وبمنهاج الله.
ولكن إذا غلب الهوى وهاجت الأماني فأنى يكون تنظيم الوقت عندئذ، وكيف يعتدل الميزان؟!
لذلك على الدعوة الإسلامية أن تجعل التدريب على الاستفادة من الوقت وتنظيمه عملًا هامًا من أعمالها ومسئولياتها.
ولقد راعينا خطورة هذه القضية بإثارتها وطرحها في حياة المسلمين، وكذلك بوضع أسس التدريب عليها. فهي مراعاة في خطة (المنهاج الفردي) وخطة (منهج لقاء المؤمنين) وفي النظام الإداري وقواعده، وفي المتابعة والتوجيه والإشراف. ويجب أن تظل هذه القضية هامة وخطيرة في حياة المسلم وحياة الأمة كلها.
إن جهدًا كبيرًا في حياة الأمة يُهدر فيما لا طائل تحته، في فوضى ولهو وعبث، وسوء إدارة ونظام. ولقد نشرت دراسات حول طاقة الإنتاج في دول متعددة حول أساس ساعات عمل واحدة، فكانت دول العالم الثالث والعالم العربي الأضعف إنتاجًا. فلو فرضنًا أن ساعات العمل ثماني ساعات كانت الإحصائية تشير إلى ساعات الإنتاج واحدة، والساعات الضائعة سبع وأما لدى الدول الأخرى فكانت ساعات الإنتاج قرابة ضعف ساعات العمل أو أقل من ذلك قليلًا.
نرى من ذلك الوقت الكبير الذي يهدر في حياة المسلمين، والجهود الكثيرة التي تتبعثر وتضيع، وأثر ذلك في جميع نواحي حياة المسلمين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
إن المذاهب البشرية تقدر الوقت بميزان مادي دنيوي هابط، ولكنه يوفر الحافز المادي للإنتاج. ولعل المثل الشائع يوضح وجهة نظرهم وتقديرهم للوقت، فهم يقولون: (الوقت مال، الوقت من ذهب) .
أما الإسلام فينظر للوقت نظرة أخرى، نظرة أسمى وأصدق وأعدل. إن المال الذي يضيع منك قد ييسر الله لك استعادته بفضله وعونه. وأما الدقيقة التي تمر فلن تعود ولن تستعاد، فهذه سنة الله في الزمن في الحياة الدنيا. وأما قضاؤه فيه في الآخرة فهو أول ما يحاسب عليه العبد بين يدي ربه:
فعن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تزولا قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وما ذا عمل فيما علم) (1) .