فرماها بسبع حصيات كذلك ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال، ولا جعلها عن يمينه، واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء، فلما أكمل الرمي رجع من فوره ولم يقف عندها، فقيل لضيق المكان بالجبل، وقيل وهو أصح إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة أفضل من بعد الفراغ منها، وهذه كانت سنته في دعائه في الصلاة وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكبا وأيام منى ماشيا في ذهابه ورجوعه. فقد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء الأولى على الصفا، والثانية على المروة والثالثة بعرفة، والرابعة بمزدلفة، والخامسة عند الجمرة الأولى، والسادسة عند الجمرة الثانية.
واستأذنه العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية فأذن له، واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى عند الإبل فأرخص لهم أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما. قال مالك: ظننت أنه قال في أول يوم منهما ثم يرمون يوم النفر، وقال ابن عيينة في هذا الحديث: رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما، فيجوز للطائفتين بالسنة ترك المبيت بمنى. وأما الرمي فلا يتركونه، بل لهم أن يؤخروه إلى الليل فيرمون فيه، ولهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم، وكذلك من له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضا لا يمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء. والله أعلم.
ولم يتعجل صلى الله عليه وسلم في يومين، بل تأخر حتى أكمل رمي أيام التشريق الثلاثة وأفاض يوم الثلاثاء بعد الظهر إلى المحصب وهو الأبطح وهو خيف بني كنانة فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هناك، وكان على ثقله، توفيقا من الله دون أن يأمره صلى الله عليه وسلم، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة. ثم نهض إلى مكة فطاف طواف الوداع ليلا سحرا، ولم يرمل في هذا الطواف. ورغبت إليه عائشة أن تعمر عمرة مفردة فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزآ عن حجها وعمرتها. فقالت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة؟ قال:"أوما طفت ليالي قدمنا مكة؟"قالت: لا. قال:"فاذهبي مع أخيك"