ص -302- فإنّ بها النّظرة"، قال البغوي: سفعة، أي: نظرة من الجنّ يقول: بها عين أصابتها من نظر الجنّ، أنفذ من أسنّة الرّماح."
وكان ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يتعوّذ من الجان، ومن عين الإنسان، فأبطلت طائفة مِمَن قلّ نصيبهم من السّمع والعقل أمر العين، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم، لا تدفع أمر العين، وإن اختلفوا في سببه.
ولا ريب أنّ الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، وجعل في كثيرٍ منها خواص وكيفيات مؤثّرة، ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام، فإنّه أمرٌ مشاهدٌ.
وليست العين هي الفاعلة، وإنّما التّأثير للرّوح ولشدّة ارتباطها بالعين نسب الفعل إليها، وروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بيِّنًا، ولهذا أمر الله رسوله أن يستعيذ به من شرّه، وأشبه الأشياء بهذا الأفعى، فإنّ السّمّ كامن بالقوّة فيها، فإذا قابلت عدوّها، انبعثت منها قوّة غضبيّة، فمنها ما يؤثر في إسقاط الجنين، ومنها ما يؤثر في طمس البصر، كما قال ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في الأبتر وذي الطّفيتين من الحيّات:"إنّهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل". والتّأثير غير موقوفٍ على الاتّصالات الجسمية، ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرّؤية، بل قد يكون أعمى، فيوصف له الشّيء، وكثير منهم يؤثر بالوصف من غير رؤية، فكلّ عائنٍ حاسدٍ، وليس كلّ حاسدٍ عائنًا، فلما كان الحاسد أعمّ كانت الاستعاذة منه وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن، فإن صادفته مكشوفًا، أثّرت فيه، وإن كان حذرًا شاكي السّلاح، لم تؤثّر، وربّما ردّت السّهام على صاحبها