فلما أمسى مجاعة ، أرسل إلى قومه ليلًا: أن ألبسوا السلاح النساء والذرية ، ثم إذا أصبحتم فقوموا مستقبلي الشمس على حصونكم ، حتى يأتيكم أمري . وبات المسلمون يدفنون قتلاهم . فلما فرغوا ، جعلوا يتكمدون بالنار من الجراح . فلما أصبحوا أمر خالد ، فسيق مجاعة في الحديد ، يُعَرِّفهم القتلى فمر برجل وسيم ، فقال: يا مجاعة ، أهو هذا ؟ قال: هذا أكرم منه ، هذا محكم بن الطفيل . إن الذي تبتغون ؛ لرجل أُصِيفِر أُخِيْنِس ، فوجدوه فوقف عليه خالد . فحمد الله كثيرًا ، وأمر به فأُلقي في البئر التي كان يشرب منها . وكان خالد يرى أنه لم يبق منهم أحد إلا من لا عتاد عنده . فقال: يا مجاعة ، هذا صاحبكم الذي فعل بكم الأفاعيل . ما رأيت عقولًا أضعف من عقول أصحابك ، مثل هذا فعل بكم ما فعل ؟ . فقال مجاعة: قد كان ذلك ، ولا تظن أن الحرب انقطعت ، وإن قتلته . إن جماعة الناس ، وأهل البيوتات لفي الحصون ، فانظر . فرفع خالد رأسه . فإذا السلاح والخلق الكثير على الحصون ، فرأى أمرًا غَمّهُ ، ثم استند ساعة . ثم أدركته الرجولة . فقال لأصحابه: يا خيل الله اركبي . يا صاحب الراية قدمها . فقال مجاعة: إني لك ناصح . وإن السيف قد أفناك . فتعال أصالحك عن قومي . وقد أخل بخالد مصاب أهل السابقة ، ومن كان يعرف عنده الغناء فقد رقَّ وأحب الموادعة ، مع عَجَف الكراع .