ومنها أن يكلمه الله من وراء حجاب، إما في اليقظة كما كلمه في ليلة الإسراء وإما في النوم كما قال في حديث معاذ الذي رواه الترمذي قال:"أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: في الكفارات لا أدري، فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثندوتي. وتجلى لي علم كل شيء وقال لي: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: في الكفارات. فقال: وما هن؟ فقلت الوضوء عند الكريهات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فمن فعل ذلك عاش حميدا، وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه"وذكر الحديث.
فهذه ست أحوال. قال ابن القيم:"زاد بعضهم مرتبة سابعة، وهي تكلم الله له بغير حجاب".
قلت: وزاد بعضهم مرتبة أخرى، وهي العلم الذي يلقيه الله في قلبه وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام، لأنه عليه الصلاة والسلام إذا اجتهد أصاب قطعا وكان معصوما من الخطأ، وهذا خرق للعادة في حقه دون الأمة، وهو يفارق النفث في الروع من حيث حصوله بالاجتهاد والنفث دونه. وقد ذكر بعضهم أن الحال كان يختلف بالوحي باختلاف مقتضاه، فإن نزل بوعد وبشارة نزل الملك في صورة آدمي وخاطبه من غير كد، وإن نزل بوعيد ونذارة كان حينئذ كصلصلة الجرس". انتهى."
قال السهيلي وفي قوله تعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} من الفقه أنك لا تقرأه بحولك ولا بصفة نفسك ولا بمعرفتك، ولكن اقرأ مفتتحا باسم ربك مستعينا به، فهو يعلمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم ومغمز الشيطان بعدما خلقه فيك كما خلقه في كل إنسان، فالآيتان المقدمتان لمحمد صلى الله عليه وسلم والآخرتان لأمته. وهما قوله {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} لأنها كانت أمة أمية لا تكتب، فصاروا أهل كتاب وأصحاب قلم، فتعلموا القرآن وتعلمه نبيهم تلقيا من جبريل، نزله على قلبه بإذن الله ليكون من المرسلين.
وفيه من الفقه وجوب القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم غير أنه أمر مبهم لم يبين له بأي اسم من أسمائه يفتتح حتى جاء البيان بعد في قوله بِسْمِ اللَّهِ