قولها: وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عليك إلخ أشار عليه تلويحا لا تصريحا لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها وأن لا يلتفت إلى كلام الأعداء، فعلي لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه بكلام الناس، لأنه رأى انزعاج النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر فأراد راحة خاطره، وأسامة لما رأى حب رسول الله لها ولأبيها وعلم من عفتها وبراءتها وحصانتها وديانتها ما هو فوق ذلك وأعظم منه، وعرف من كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه ومنزلته عنده ودفاعه عنه أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته من النساء وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها أرباب الإفك، وعلم أن الصديقة حبيبة رسول الله أكرم على ربها من أن يبتليها بالفاحشة، فمن قويت معرفته بالله ومعرفة رسوله وقدره عند الله في قلبه كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لما سمعوه: سبحانك هذا بهتان عظيم. وتأمل في تسبيحهم لله وتنزيههم له في هذا المقام من المعرفة به، وتنزيهه عما لا يليق أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه امرأة خبيثة بغيا، فمن ظن به سبحانه هذا وقاه الله ظن السوء، وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها كما قال تعالى {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} ، فقطعوا قطعا لا يشكون فيه أن هذا بهتان عظيم وفرية ظاهرة.
فإن قيل: فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها وسأل عنها وبحث واستشار، وهو أعرف بالله ومنزلته عنده وبما يليق به؟ وهلا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم كما قال فضلاء الصحابة؟ فالجواب أن هذا من تمام الحكمة الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها وامتحانا وابتلاء لرسوله ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بها القصة أقواما ويضع بها آخرين، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا ولا يزيد الظالمين إلا خسارا, واقتضى تمام الابتلاء والامتحان أن حبس عن رسوله الوحي شهرا في شأنها لتتم حكمته التي قدرها وقضاها، ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده. ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا.وتظهر لرسوله والمؤمنين