ومنها أن من تمام التوكل استعمال الأسباب لمسبباتها قدرا وشرعا، فإن رسول الله وأصحابه أكمل الخلق توكلا، وإنما كانوا يلقون عدوهم وهم متحصنون بأنواع السلاح.
وفيها كمال خلقه صلى الله عليه وسلم وعفوه عمن هم بقتله، ولم يعاجله بل دعا له ومسح صدره حتى عاد كأنه ولي حميم.
ومنها ما ظهر من معجزات النبوة في هذه الغزوة من إخباره لشيبة بما أضمر في نفسه، ومن ثباته وقد تولى عنه الناس، وهو ينوه بذكره ويقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
وقد استقبلته كتائب المشركين وهو على البغلة التي لا تعد للفر والكر.
ومنها إيصال الله قبضته التي رمى بها إلى عيون أعدائه على البعد منه، وبركته في تلك القبضة حتى ملأت أعين القوم، إلى غير ذلك من الآيات، كنزول الملائكة للقتال حتى رآهم العدو جهرة ورآهم بعض المسلمين.
ومنها جواز انتظار الإمام بقسم الغنائم إسلام الكفار ودخولهم في الطاعة، فيرد عليهم غنائمهم وسبيهم، وفي هذا دليل لمن يقول إن الغنيمة إنما تملك بالقسمة لا بمجرد الاستيلاء عليها، إذ لو ملكها المسلمون بمجرد الاستيلاء لم يستأن بهم النبي صلى الله عليه وسلم ليردها عليهم، وعلى هذا فلو مات من الغانمين أحد قبل القسمة وإحرازها بدار الإسلام رد نصيبه على بقية الغانمين دون ورثته، وهو مذهب أبي حنيفة.
ومنها جواز التنفيل من أربعة أخماس الغنيمة، وقد نص الإمام أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم هو من النفل، نفل به رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به وقومهم على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع بعده لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله واستجلاب عدوه إليه، وهكذا وقع سواء كما قال بعض هؤلاء الذين نفلهم: لقد أعطاني رسول الله وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي.