فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 6724

ص -243- ثم أخبر تعالى عن حكمةٍ أخرى، وهي ابتلاء ما في صدورهم، وهو اختبار ما فيها من الإيمان والنّفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلاّ إيمانًا، والمنافق ومَن في قلبه مرضٌ يظهر على جوارحه.

ثم ذكر حكمةً أخرى، وهي تمحيص ما في قلوب المؤمنين، وهو تنقيتها، فإنّ القلوب يخالطها من غلبة الطّبع وميل النّفس، وحكم العادة، وتزيين الشّيطان، واستيلاء الغفلة ما يضادُّ ما فيها من الإيمان، فلو تركت في عافيةٍ دائمةٍ لم تتخلّص من هذا، فكانت نعمته عليهم بهذه الكسرة تعادل النّعمة بالنّصرة.

ثم أخبر تعالى عمَن تولّى من المؤمنين، أنّه بسبب ذنوبهم استزلّهم الشّيطان فإنّ الأعمال جُند للعبد وجُند عليه، ففرار الإنسان من عدوّ يطيقه إنّما هو بجند من عمله.

ثم أخبر أنّه عفا عنهم لأنّ الفرار لم يكن عن شكٍّ وإنّما كان لعارضٍ، ثم كرّر سبحانه أنّ هذا بأعمالهم فقال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} الآية، [آل عمران من الآية: 165] .

وذكر هذا بعينه فيما هو أعمّ من ذلك في السّور المكيّة، وقال: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ، [الشّورى الآية: 30] .

وقال: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} ، [النّساء من الآية: 79] ، فالنّعمة فضلة، والسّيّئة عدله.

وختم الآية بقوله: {هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، [آل عمران من الآية: 165] ، بعد قوله: {هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} ، [آل عمران من الآية: 165] ، إعلامًا بعموم قدرته مع عدله.

ففيه إثبات القدر والسّبب فأضاف السّبب إلى نفوسهم، وعموم القدرة إلى نفسه، فالأوّل ينفي الجبر، والثّاني ينفي إبطال القدر، فهو مشاكل قوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت