ص -322- بإرادته، فإنّ الله سبحانه خيّره بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبين أن يكون مَلِكًا رسولًا، فاختار العبودية.
والفرق أنّ العبد لا يتصرّف إلاّ بالأمر، والملك الرّسول له أن يعطي منَ يشاء، ويمنع مَن يشاء، كما قال تعالى لسليمان: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ، [صّ: 39] ، أي: أعط مَن شئت، وامنع مَن شئت، وهذه المرتبة التي عُرضت على نبيّنا، فرغب عنها، وقال:"والله إنّي لا أعطي أحدًا، ولا أمنع أحدًا إنّما أنا قاسم أضع حيث أُمرت"، ولهذا كان ينفقُ منه على نفسه وأهله نفقة سنتهم، ويجعل الباقي في الكراع والسّلاح في سبيل الله ـ عزّ وجلّ ـ، وهذا هو الذي وقع فيه النّزاع إلى اليوم.
وأمّا الزّكاة والغنائم والمواريث، لم يشكل على ولاة الأمر بعده ما أشكل عليهم من الفيء ولولا الإشكال ما طلبت فاطمة ميراثها، وقد قال تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} ـ إلى قوله ـ: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، [الحشر الآيات:7-9] ، فأخبر سبحانه أنّ ما أفاء الله على رسوله بجملته لِمَن ذكر في هؤلاء الآيات، ولم يخصّ خمسه بالمذكورين، بل عمّ وأطلق واستوعب، فيصرف على المصارف الخاصّة، وهم أهل الخمس، ثم على المصارف العامّة، وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة.
فالذي عمل به هو وخلفاؤه هو المراد من الآية، ولهذا قال عمر: ما أحد أحقّ بهذا المال من أحدٍ، وما أنا أحقّ به من أحدٍ، والله ما من أحدٍ من المسلمين إلاّ وله فيه نصيب إلاّ عبد مملوك، ولكنا على منازلنا