ص -179- ولَمّا تمت البيعة رجع عثمان، فقالوا له: أشتفيت من الطّواف بالبيت. فقال بئسما ظنتم بي، والذي نفسي بيده لو مكثت بهاسنة، ورسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف، ولقد دعتني قريش إلى الطواف فأبيت. فقال المسلمون: رسول الله أعلم بالله، وأحسننا ظنًّا.
وكان عمر أخذ بيد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ للبيعة، وهو تحت الشّجرة، فبايعه المسلمون كلّهم، لم يتخلّف إلاّ الجد بن قيس.
وكان معقل بن يسار آخذ بغصنها يرفعه عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. وكان أوّل من بايعه: أبو سنان وهب بن محصن الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات: في أوّل النّاس، ووسطهم وآخرهم.
فبينا هم كذلك إذا جاء بُديَل بن وَرْقاء في نفرٍ من خزاعة ـ وكانوا عَيْبة نصح لرسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من أهلِ تِهامة ـ فقال: إني تركت كعب بن لُؤيّ، وعامر بن لُؤيّ قد نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العُوذ المطافيل، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. فقال: (( إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنّما جئنا معتمرين، وإنّ قريشًا نَهَكَتْهُم الحرب، وأضَرَّت بهم؛ فإن شاؤوا مادَدْتُهم. ويخُلُّوا بينِي وبين النّاس، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس فعلوا، وإلاّ فقد جَمّوا، وإن أبوا إلاّ القتالَ، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لَيُنْفِذَنَّ الله أمره ) ).
قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشًا. فقال: إنّي قد جئتكم من عند هاذ الرّجل، وسمعته يقول قولًا، فإن شئتم عرضته عليكم.