ص -180- فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدّثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرّأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا.
فقال عروة بن مسعود: إنّ هذا قد عرض عليكم خُطّة رُشْدٍ، فاقبلوها ودعوني آته. فقالوا: ائْتِه. فأتاه، فجعل يكلّمه. فقال له نحوًا من قوله لبديل.
فقال عروة: أي محمّد، أرأيت لو استأصلتَ قومك، هل سمعت بأحدٍ من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فوالله إنّي لأرى أو شابًا من النّاس، خليقًا أن يفروا ويدعوك.
فقال أبو بكر: امْصُصْ بَظْر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟
قال عروة: مَن ذا يا محمّد؟ قال: أبو بكر. قال: أمّا والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي ـ لم أجزك بها ـ لأجبتك.
وجعل يكلّم النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ويرمق أصحابه. فوالله ما انْتَخَم النَّبِي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ نُخامة إلاّ وقعت في كفّ رجلٍ منهم. فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوءه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم، وما يحدون إليه النّظر تعظيمًا له.
فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وَفَدت على الملوك ـ كسرى، وقيصر، والنّجاشي ـ والله إن رأيت ملكًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمّد محمّدًا، والله ما انتخم نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجلٍ منهم، فدلك بها وجهه وجلده، ثم أخبرهم بجميع ما تقدم، ثم قال: وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.