فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 788

نحن الآن نتحدث إلى صنف من الجادين في حياتهم المخلصين في أعمالهم، كثير منهم يسهر على إنجاز عمله ويتفانى في ذلك، ولكنه لا يحسن استثمار وقته، ولا يدرك أنه ـ بقدر من المعرفة والممارسة ـ يمكنه أن يحقق نتائج أفضل مثل غيره أو أكثر منهم، ليس بالضرورة أن يكون مديرًا أو موظفًا في منشأة، فقد يكون قائمًا على رأس عمل دعوي، أو طالب علم لا يستطيع السيطرة على وقته، أو حتى ربة بيت في منزلها.. مرضهم واحد، وأيضًا قواعد علاجهم واحدة.. فالمهام الكثيرة المتنوعة غير المتجانسة يصلح لها جميعًا أسس إدارة الوقت ومبادئه؛ لأن العملية الإدارية كلها عملية نمطية وإن كان أسلوب ممارستها يختلف باختلاف الهدف والموقف..

ولأنك لا تستطيع السيطرة على مقدار الوقت ذاته فأنت في حاجة إلى إدارة ذاتك من خلال السيطرة على استخدام الوقت. فما هي الخطوات التي تقود إلى هذه السيطرة؟ سنحاول في هذا المقال استخدام العملية الإدارية في إدارة الوقت واستثماره؛ لذا: فقبل أن تشرع في اتخاذ الخطوة الأولى لا بد أن يكون حاضرًا في ذهنك أن العملية الإدارية تتكون من مهام: التخطيط، والتنظيم، والتنفيذ، والرقابة، وهي مهام يخدم بعضها بعضًا...

التخطيط مدخل إدارة الوقت:

فإذا تم ذلك فاعلم أن الخطوة الأولى في العملية الإدارية هي أن تسترخي!.. نعم تسترخي، وتنظر إلى الخلف لتخطط للسير إلى الأمام، أي أن تمارس (التخطيط) ، خذ وقتًا كافيًا للتخطيط ولا تترك الأزمات تضطرك للتصرف غير المحسوب أو العشوائي، فبرغم أن التخطيط يأخذ وقتًا طويلًا أول الأمر، إلا إن ذلك الوقت يعوض حين يثمر نتائج أفضل، فالمشكلة واضحة المعالم تصبح نصف محلولة.. وعلى ذلك: يجب أن تخصص بعض الوقت للتفكير والتأمل والتخطيط بأسلوب مبدع، وهو ما يسمى بـ (الساعة الهادئة) ، وهو وقت هادئ خالٍ من المقاطعات والشواغل والمنغصات، يقع في أوج نشاطك وقمة منحنى صفائك الذهني، فإذا لم تتوفر لك هذه العوامل حيث توجد فلا تتردد في البحث عن ركن هادئ آخر تمارس فيه هذا التفكير الهادئ، فإذا لم تجد فابحث في مكان آخر.

ولكن احذر أن يكون التخطيط في (الساعة الهادئة) أحد وسائل الهروب من مهمة غير سارة أو معقدة..

فماذا ستفعل في هذا الوقت ـ طال أم قصرـ؟.. ستشخّص مرضك..

ولأجل أن يكون التشخيص دقيقًا فقد تحتاج إلى بعض التحاليل! وبما أنك تنظر إلى الخلف لتخطط للسير إلى الأمام فالتحاليل ستشمل هذا الخلف (الماضي) وأيضًا ذلك الأمام (المستقبل) ، والمختبر الذي ستضع فيه الماضي (المستمر معك) يسمى: (جداول تحليل الوقت) ، بينما تسمى جداول تركيب المستقبل (الذي تأمله) : (جداول تنظيم الوقت) .

جداول تحليل الوقت:

فعادة استخدام (جداول تحليل الوقت) تهدف إلى أن تعلم كيف تتحكم في وقتك، بما يعني أن تغير بعضًا من عاداتك في تمضيته، ولكنك لن تستطيع تغيير عادات وقتك حتى تعرف أولًا ما هي هذه العادات؟.. كيف يمضي الوقت؟.. وفي ذلك يُقترح:

* الاحتفاظ بسجل تبين فيه كيف تمضي أسبوعًا أو أسبوعين أو أكثر..

* سَجّل كل ما تقوم به عند القيام به حتى لا تنسى أي شيء.

* وسجل أيضًا السبب الدقيق للنشاط وعلاقته بتحقيق هدفك.

* احذر أن تنشغل بحساب مقدار الدقائق التي قضيتها وتفقد الهدف الأساس لتحليل الوقت؛ فقد تقوم من خلال محاولة حسابك للوقت الضائع بإضاعة وقت آخر بدون مسوّغ.

* وفي نهاية كل أسبوع لخّص ما قمت به وتأكد من النسبة المئوية لكل نشاط.

* ثم قيّم أهمية هذه النشاطات أو تكرارها..

هذا التحليل يمكّنك من رؤية عاداتك السيئة في استخدام الوقت، ومن ثم: القضاء على تلك العادات في المستقبل.. وسيعطيك تلخيص هذه الجداول فكرة جيدة عما إذا كنت فعلًا متحكمًا في وقتك أو أن وقتك تتحكم فيه مؤثرات خارجية، كما يجب أن تخرج من هذه الجداول بفكرة واضحة عن: مضيعات الوقت لديك، سلبيات أسلوبك في التعامل مع الأمور، نقاط الضعف والقوة الشخصية عندك.. وغير ذلك من النتائج المحددة.. هل انتهيت من التخطيط؟..

لم تنته بعد؛ فالتخطيط عملية مستمرة ومتصلة.. تستطيع القول: إنك انتهيت من تحليل (الماضي) .. عليك الآن أن تخطط للمستقبل.. لتصحيح (ماضيك المستمر) ولتنفيذ أعمالك.

أهداف × أولويات:

لماذا نهتم بتحديد الأهداف والأولويات؟..

لأنه عندما تكون أهدافنا واضحة أمامنا على الورق فإن ذلك يساعدنا على تذكرها دائمًا، إضافة إلى أننا نستطيع الحكم عليها دائمًا من حيث كونها ما زالت أهدافًا أو أنها بحاجة إلى تحديث، فإذا طرأت أولوية أخرى أكثر منها أهمية، فإنه يمكن إحلالها في ترتيب متقدم مما نود إنجازه، ثم نعود إلى الأولوية السابقة، وبدون تحديد الأولويات والأهداف نقع في (مصيدة النشاط) ، وهو التورط في النشاط ذاته دون رؤية السبب الذي من ورائه نقوم بالنشاط، فيصبح النشاط هدفًا مزيفًا، ويصبح غاية في حد ذاته، أي يصبح النشاط مجرد انشغال (بذل عرق) ، وهو بخلاف (الشغل) ، وحتى الشغل ينبغي أن نفرق فيه بين (الكفاءة) و (الفاعلية) ، فالكفاءة تعني: مجرد القيام بالعمل وتحقيق النتائج المطلوبة، بينما تعني الفاعلية: تحقيق النتائج المطلوبة من أول مرة، ومن خلال القيام بالعمل الصحيح، حسب التسلسل الصحيح في أهميتها، في الوقت المناسب، وبأدنى تكلفة، فعندما تكون نشيطًا وكفئًا في مهمة خاطئة، أو في مهمة صحيحة في الوقت الخطأ، فإنك تعتبر غير فعال حتمًا..

إذن: حدد أهدافك أولًا.. الأهداف طويلة الأمد والأهداف قصيرة الأمد، ضَعْ قائمة لكل نوع، فعندما تكون أفكارك وأعمالك منظمة ستكون منتبهًا إلى أن أهدافك اليومية (قصيرة الأمد) تساهم بشكل مباشر في تحقيق الأهداف الطويلة الأمد، لذلك: عليك أن تدرّب نفسك على العمل وفي ذهنك ـ في الوقت نفسه ـ صورة من أعمال الأسبوع القادم أو الشهر أو السنة، ولا يتم ذلك إلا بأن تكتب أهدافك: للعمل، وللمهنة، وللحياة الشخصية، وحتى للأمور المالية.. ولا بد أن تكون هذه الأهداف:

* محددة وواضحة. * واقعية وممكنة التنفيذ. * ذات قيمة حقيقية. * يمكن قياسها وتقييمها.

رتّب هذه الأهداف في صورة أولويّات، ثم قسّم أولوياتك في برنامج عملك اليومي إلى قوائم: أعمال (يجب القيام بها(ضرورية وملحة ) ) ، وأعمال (ينبغي القيام بها(ضرورية وغير ملحة ) ) ، وأخرى (يمكن القيام بها) .. مرة أخرى تطرق (جداول الوقت) الباب علينا، وذلك لإعداد جدول الأهداف، وذلك قبل يوم العمل.. وهذا الجدول سوف يمكنك من وضع جدول تنظيم الوقت، حيث سيتم فيه تصنيف أولويات الأعمال حسب (أهميتها) و (إلحاحها) (ليس كل مُلحّ يكون بالضرورة مهمًا) ، وإمكانية (تفويضها إلى غيرك) ..

ومن الواضح أن أكثر الأعمال أولوية هي تلك التي لا يمكن تكليف غيرك بها، والملحة، وفي الوقت نفسه: على درجة عالية من الأهمية..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت