(1) مسند أحمد (4/124) ، سنن الترمذي (2459) ، سنن ابن ماجة (4260) .
(2) صحيح البخاري (6502) .
(3) صحيح البخاري (3244) ، صحيح مسلم (2824) .
(4) صحيح البخاري (3265) ، صحيح مسلم (2843) .
(5) مسند أحمد (4/188) ، سنن الترمذي (2329) .
استغلال الوقت
محمد عبد الكريم
الخرطوم
غير محدد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-الإقسام بالزمان لشرفه وأهميته. 2-يوم القيامة يوم عدل يسأل الله كلًا عما صنع في عمره. 3- فضل الله بعض الأوقات وندب فيها إلى فريد عبادة. 4- أعمال صالحة نستطيع فعلها في الإجازة (الذكر - صلة الرحم - المطالعة - حلق العلم) . 5-كيفية شغل الناس إجازاتهم السنوية. 6- فتوى الشيخ ابن عثيمين عن صحون القنوات الفضائية. 7-كيف نحمي أبنائنا من خطر التلفاز.
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المسلمون: يقول الله عز وجل في كتاب العزيز: وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفَةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، وأقسم الله عز وجل بالزمن فقال: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعلموا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
هذا الوقت إما أن يكون الإنسان خاسرًا فيه, إما أن يُكتب عند الله من الخاسرين, وإمّا أن يكتب عند الله تعالى من الفائزين وذلك بحسب استغلاله لهذا العصر, بحسب استغلاله لعمره, ولذلك أقسم الله سبحانه وتعالى بأول النهار وبآخر النهار, قال الله عز وجل: والضحى والليل إذا سجى، وقال عز وجل: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، أقسم الله تعالى بالفجر فقال: والفجر وليال عشر، لماذا يقسم الله تعالى؟.
يقسم ربنا بهذه الأوقات حتى نعلم قيمتها وحتى نصونها ونحفظها ولا نعمل فيها إلا خيرًا, فهذا العمر الذي تعيشه أيها العبد هو المزرعة التي تجنى ثمارها في الدار الآخرة, فإن زرعته بخير وعملٍ صالح جنيت السعادة والفلاح وكنت من الذين يُنادى عليهم في الدار الآخرة كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية، وإن ضيعّته بالغفلات وزرعته بالمعاصي والمخالفات, ندمت يوم لا تنفعك الندامة وتمنيت الرجوع إلى الدنيا يوم القيامة فيقال لك: أو لم نعمركم، ـ أي ألم نجعل لكم عمرًا ـ ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير .
أيها المسلمون: صَحّ عن الرسول أنه قال: (( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عُمُرِه فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه, وعن علمه ماذا عمل به ) )، فهذا العمر وهو أعَزُّ شيء لديكم فلا تضيّعوه ولا تفرطوا فيه, فإن الله عز وجل جعل في كل يوم وظائف لعباده من وظائف طاعته منها ما هو فرض كالصلوات الخمس, ومنها ما هو نافلة كنوافل الصلوات والذكر وغير ذلك, وجعل الله سبحانه وتعالى للشهور وظائف كالصيام والزكاة والحج, ومن هذه العبادات ما هو فرض وما هو نافلة, وجعل الله سبحانه وتعالى لبعض الأوقات فضلًا على بعض في مضاعفة الحسنات وإجابة الدعوات كالأشهر الحُرم وشهر رمضان قال الله عز وجل عن الأشهر الحرم: منها أربعة حُرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، وكان الرسول يُعظم تلك الأشهر الحرم, ومن هذه الأشهر هذا الشهر المحرم الذي نحن فيه والذي كان الرسول يصومه وكذلك شهر رمضان وليلة القدر وعشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم الجمعة.
وما من موسم من تلك المواسم إلا ولله نفحات يصيب به من يشاء برحمته, إن الله عز وجل قد أمرنا بشغل الأوقات بذكره وطاعته فقال: واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشي والإبكار، كما تكون في أول النهار كذلك تكون ذاكرًا في آخر النهار. قال عز وجل: واذكر ربك في نفسك تضرّعًا وخيفة، إذا مللت من ذكر ربك جهارًا فلا تَمَلّن من ذكره في نفسك تضرعًا وخيفةً ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين.
وما حجر الله عز وجل علينا شيئًا في الذكر, ما خَصّ الشارع لنا شيئًا معينًا من الذكر أو طريقة معينة من الذكر بل فتح الباب فقال عز وجل: الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا، فعلى الفراش تستطيع أن تذكر الله وأنت سائر إلى عملك تستطيع أن تذكر الله, وأنت منتظر أحدًا تستطيع أن تذكر الله, فلذلك قال الله سبحانه: فسبحان الله حين تُمسون وحين تُصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون .
فحياتك بين التسبيح لله عز وجل وبين حمده, فإذا عرفنا هذا ونحن على أبواب الإجازة الصيفية فماذا نحن عاملون وعلى أي شيء نحن مقدمون من الأعمال, أمّا فكرنا في ذلك, أما فكر الشباب كيف سيقضون أوقاتهم أم أنهم يقضون أوقاتهم كيفما اتفق وحسبما حَلا لهم, وحسبما وجدوا من الفرصة في ارتكاب ما نهى الله عز وجل عنه, إن الناس في استغلال هذه الأوقات الآتية على أصناف, وكل الناس يغدو كما قال: (( فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) ).
فمن الناس من يستغل هذه الأوقات في الاستزادة من الخير والاطلاع والعلم فيقتنون الكتب المفيدة ويذهبون إلى المحاضرات القيّمة يستمعون الذكر وأحاديث الرسول , وربما رحلوا إلى العلماء ليلتقوا بهم ويجلسوا في حلقهم فيستفيدوا فائدة عظيمة.
ومن الناس من يسافر لصلة أرحامه, فأرحامه في أشتات البلاد فمن رحم في الشمال ومن رحم في الجنوب ومن رحم في الغرب, ومن ثم فهو يرحل إلى أرحامه فيصلهم ويجلس معهم ويذكرهم بالله سبحانه وتعالى فيكون إن شاء الله من الذين ينسأ الله لهم في أعمارهم فيزيد في أعمارهم ويبارك الله عز وجل لهم في أوقاتهم.
ومن الناس من يسافر بعائلته فيما أباح الله من ملكوت السموات والأرض في هذه البلاد التي إذا قورنت بغيرها من البلاد لوجدت فيها خيرًا كثيرًا, فلا تجد الإباحية المعلنة التي توجد في البلاد الخارجية حتى البلاد الإسلامية, فيخرج بعائلته إلى ما أباح الله من المناظر الطيبة فيذكرهم بخلق الله عز وجل في أرضه وسمائه, فهذا على خير إن شاء الله تعالى, ومن أراد أن يفعل هذا فعليه بالصحبة الطيبة, من أراد أن يأخذ عائلة أخرى معه فعليه أن يبحث عن العائلة المحافظة, عن العائلة التي تقيم الصلاة, عن العائلة التي إذا سمعت الله أكبر تركت اللهو واللعب واتجهت إلى ذكر الله سبحانه وتعالى.
ومن الناس من يشغل وقته بتوجيه النصح للمسلمين, فمن منّ الله عليهم بالعلم فيخرج إلى قريته أو إلى القرى المجاورة لمدينته فيعلم الناس التوحيد ويعلم الناس الصلاة والحلال والحرام, فهذا من أحسن منه قولًا ومن أحسن منه فعلًا كما قال الله سبحانه وتعالى: ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين .