فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 788

وبهذا يعرف خسران الكثير من أكابر وأصاغر يظهرون الملل من طول الوقت ، ويقبلون على اللعب بما يسمى البلوت ، ونحوه من الملاهي ، أو على ما يعرضونه من أفلام خليعة تحوي صورا ماجنة ، وقصصا خيالية ، تشغل الأفكار ، وتضيع الأعمار ، وكان الأولى أن يضنوا بتلك الساعات الثمينة ، ويشغلوها في تلاوة القرآن ، أو مذاكرة في حديث أو فقه ، أو أدب أو تاريخ فيه عبرة ، أو تعلم وتعليم ، أو أذكار وعبادات ، ونصائح وإرشادات ، أو عرض لمواضيع تهم المجتمع ، وسعي في نفع المسلمين ، فإن الكثير من أولئك الذين يظهرون الملل والسآمة من طول الوقت وكثرة الفراغ ، ويعملون أعمالا وألعابا يستفرغون بها زمانهم ، لو تعلموا فيه أحكام دينهم ، أو تدبروا وقرءوا كتاب ربهم ، أو تفقهوا في دينهم ، لاستفادوا من فراغهم فائدة كبرى ، فإن الغالب عليهم الجهل المركب ، فلو سألتهم عن معنى آية أو حديث فقهي ، أو تفسير غريب ، أو محتوى كتاب مشهور لما أجابوا بقليل ولا بكثير .

فما أخسر صفقة من أضاع وقته الثمين وعمره الطويل في غير فائدة دينية أو دنيوية .

وأخسر منه من شغل عمره المديد في ضد الطاعة ، من عكوف على الملاهي ، وسماع للأغاني ، وإنصات لقصص وأضحوكات ، وتماثيل خيالية ،

(1) ارجع إلى ما ذكره ابن رجب -رحمه الله- في أول كتابه (لطائف المعارف) حيث توسع في هذا المعنى.

نسجتها أيدي الأعداء الألداء ، لهدف إضاعة الأوقات ، واستفراغ الأعمار باسم التسلية والترفية عن النفس ، ترفيها بريئا كما يعبرون: { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } (1) .

(1) سورة الشعراء الآية 227

فن إدارة الوقت

أعمارنا .. كم نستغل منها ؟ وكم نضيع ؟

عبد الله آل سيف

هذا الموضوع يهم طائفة من الناس ، وهم الذين يشعرون أن الوقت المتاح لا

يكفي لقضاء كل الأعمال والطموحات التي يريدونها ، وبالتالي: فهم بحاجة ماسة

إلى قواعد في فن إدارة الوقت ، إذن ... فهذا الموضوع يهم أصحاب الطموحات

والمشاريع والهمم العالية ، أصحاب الإبداع والابتكار .

وفي الحقيقة فإن أصحاب الهمم العالية يشكون من ضيق الوقت ، وهذه

الشكوى ، وإن كانت صحيحة من جانب لقصر أعمار بني البشر ، إلا أنها ليست

صحيحة من جانب آخر .

ووجه ذلك: أن المشكلة ليست في الوقت فحسب ، ولكن المشكلة تكمن أيضًا

في طريقة إدارة الوقت بفعالية ونجاح ، ولذا: تجد من الناس من يستطيع بحسن

إدارته لوقته أن يعمل الشيء الكثير .

ولسنا بصدد الحديث عن أهمية الوقت ؛ لأن هذا موضوع آخر وفيه من

النصوص الشرعية وكلام السلف والعلماء والحكماء ما يضيق عنه المقام [1] .

لكن سنعرض إحصائية دقيقة تبين أهمية العمر والحرص عليه بما يثير الغيرة

لدى الإنسان المسلم .

لنفرض أن الإنسان يعيش عمرًا افتراضيًا مدته سبعون سنة ، فإذا ضيع

الإنسان خمس دقائق يوميًا فإن هذا يعني أنه أضاع من مجموع العمر كله ثلاثة

أشهر تقريبًا (88 يومًا) ، وهذا الجدول يوضح المسألة أكثر فأكثر .

الوقت من اليوم مجموع الوقت من العمر الافتراضي النسبة المئوية

-خمس دقائق ثلاثة أشهر 0.35%

-عشر دقائق ستة أشهر 0.71%

-عشرون دقائق سنة كاملة 1.42%

-ساعة كاملة ثلاث سنوات 4.28%

-عشر ساعات ثلاثون سنة 42.85%

ثم إذا نظرت إلى مجموع الأنشطة التي تستهلك الوقت تجد أنها كثيرة جدًا ،

وهي وإن كان بعضها ضروريًا لكن بعضها الآخر غير مفيد وغير فعال .

وهذا يتضح في الجدول التالي:

نوع النشاط ما يستغرقه بالسنوات النسبة المئوية من العمر كله

النوم، بمعدل ثمان ساعات يوميًا 23 32%

العمل، (من 7-2.5) يوميًا 21.5 30.7%

الأكل والشرب، بمعدل ساعة ونصف يوميًا 4.5 6.4%

نوع النشاط ما يستغرقه بالسنوات النسبة المئوية من العمر كله

-الأعمال المعتادة والمراجعات الحكومية

(بمعدل نصف ساعة) ... ... 1.5 2.14%

-الأعمال المنزلية والرحلات والتنزه

(بمعدل ساعة واحدة يوميًا) . ... 3 4.28%

-اللقاءات الاجتماعية والودية بين الأصدقاء

(بمعدل نصف ساعة يوميًا) . 1.5 2.14%

-التنقل من مكان لآخر

(بمعدل نصف ساعة يوميًا) . 1.5 2.14%

-الاتصالات الهاتفية

(بمعدل نصف ساعة يوميًا) . 1.5 2.14%

المجموع 61 سنة 87%

الباقي 9 سنوات 12.85%

فإذا حذفت من ذلك فترة المراهقة وزمن الطفولة فكم يا ترى يبقى من الوقت

للمشاريع الطموحة والأعمال الكبيرة ، والأهداف النبيلة .

ولا ننسَ أن هذه التقديرات هي متوسط الوقت الذي يقضيه عامة الناس مع

إمكانية أن يكون هناك إنسان يزيد على هذا المتوسط من الوقت المبذول لكل نشاط ،

كما أن هناك مَن ينقص من هذا ويكون شحيحًا بوقته إلى درجة الاقتصار على أقل

قدر ممكن مما يستحقه كل نشاط .

أقسام الوقت:

1-الوقت المادي الميكانيكي: وهو مقياس لحركة جسم مادي بالنسبة لجسم

مادي آخر ، كالفترة التي تستغرقها الأرض في الدوران حول الشمس ، ووحدات

هذا القسم: الثانية ، والدقيقة ، والساعة ، واليوم .

2-الوقت البيولوجي: وهو الوقت الذي يقاس فيه تطور الظواهر البيولوجية

ونموها ونضجها وكمالها ، ووحدته هي الجسم نفسه ، فقد يكون لطفلين عمر زمني

واحد كتسع سنوات مثلًا ، لكن أحدهما أكثر نضجًا من الآخر من حيث الطول

وكمال الجسم وتناسقه .

3-الوقت النفسي: وهو نوع آخر من أنواع الشعور الداخلي بقيمة الوقت ،

حيث يؤثر الحدث النفسي في ذلك إذا كان سعيدًا أو سيئًا أو خطرًا أو مهمًا ، فتبدو

الدقائق في الحدث السيء كأنها ساعات ، وتبدو الساعات في الحدث السعيد كأنها

دقائق .

4-الوقت الاجتماعي: وهو الوقت الذي يربط فيه تقدير الوقت بأحداث

اجتماعية مهمة إما عالمية أو محلية ، ولذا: نسمع كبارالسن يؤرخون بحياة فلان

وفلان [2] .

قواعد إدراة الوقت:

* القاعدة الأولى:

تحديد الأهداف والأولويات: هناك مثل قديم ساخر يقول: عندما لا تعرف

أين تتجه فإن كل الطرق توصلك ، وتحديد الهدف أمر على قدر كبير من الأهمية .

وللأسف فإن من التخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة ما يمكن أن نسميه

بأزمة الهدف أو غياب الأهداف وخاصة الأهداف الوسطى التي تخدم الهدف

الأعظم [3] .

-أقسام الأهداف:

يمكن أن تقسم الأهداف إلى ثلاثة أقسام:

1-الهدف الأكبر: وهو أهم هدف يسعى له الإنسان ونجد ما عداه من

الأهداف تخدم هذا الهدف ، وهو بالنسبة للإنسان المسلم: تحقيق العبودية لله(عز

وجل)، وبالنسبة للماديين: تحقيق أكبر قدر ممكن من اللذة والمصلحة والمتعة .

2-الأهداف الوسطى: وهي مجموعة من الأهداف تخدم الهدف الأكبر ؛

مثالها بالنسبة للإنسان المسلم: الدعوة إلى الله ، الصلاة ، طلب العلم ، بر

الوالدين .... الخ .

3-الأهداف الصغيرة: وهي ما يمكن أن يعبر عنها بأنها مجموعة من

الوسائل التي تخدم الأهداف الوسطى ؛ مثالها: طلب العلم هدف أوسط وهناك

مجموعة من الوسائل والطرق والوسائل لتحقيقه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت