وبهذا يعرف خسران الكثير من أكابر وأصاغر يظهرون الملل من طول الوقت ، ويقبلون على اللعب بما يسمى البلوت ، ونحوه من الملاهي ، أو على ما يعرضونه من أفلام خليعة تحوي صورا ماجنة ، وقصصا خيالية ، تشغل الأفكار ، وتضيع الأعمار ، وكان الأولى أن يضنوا بتلك الساعات الثمينة ، ويشغلوها في تلاوة القرآن ، أو مذاكرة في حديث أو فقه ، أو أدب أو تاريخ فيه عبرة ، أو تعلم وتعليم ، أو أذكار وعبادات ، ونصائح وإرشادات ، أو عرض لمواضيع تهم المجتمع ، وسعي في نفع المسلمين ، فإن الكثير من أولئك الذين يظهرون الملل والسآمة من طول الوقت وكثرة الفراغ ، ويعملون أعمالا وألعابا يستفرغون بها زمانهم ، لو تعلموا فيه أحكام دينهم ، أو تدبروا وقرءوا كتاب ربهم ، أو تفقهوا في دينهم ، لاستفادوا من فراغهم فائدة كبرى ، فإن الغالب عليهم الجهل المركب ، فلو سألتهم عن معنى آية أو حديث فقهي ، أو تفسير غريب ، أو محتوى كتاب مشهور لما أجابوا بقليل ولا بكثير .
فما أخسر صفقة من أضاع وقته الثمين وعمره الطويل في غير فائدة دينية أو دنيوية .
وأخسر منه من شغل عمره المديد في ضد الطاعة ، من عكوف على الملاهي ، وسماع للأغاني ، وإنصات لقصص وأضحوكات ، وتماثيل خيالية ،
(1) ارجع إلى ما ذكره ابن رجب -رحمه الله- في أول كتابه (لطائف المعارف) حيث توسع في هذا المعنى.
نسجتها أيدي الأعداء الألداء ، لهدف إضاعة الأوقات ، واستفراغ الأعمار باسم التسلية والترفية عن النفس ، ترفيها بريئا كما يعبرون: { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } (1) .
(1) سورة الشعراء الآية 227
فن إدارة الوقت
أعمارنا .. كم نستغل منها ؟ وكم نضيع ؟
عبد الله آل سيف
هذا الموضوع يهم طائفة من الناس ، وهم الذين يشعرون أن الوقت المتاح لا
يكفي لقضاء كل الأعمال والطموحات التي يريدونها ، وبالتالي: فهم بحاجة ماسة
إلى قواعد في فن إدارة الوقت ، إذن ... فهذا الموضوع يهم أصحاب الطموحات
والمشاريع والهمم العالية ، أصحاب الإبداع والابتكار .
وفي الحقيقة فإن أصحاب الهمم العالية يشكون من ضيق الوقت ، وهذه
الشكوى ، وإن كانت صحيحة من جانب لقصر أعمار بني البشر ، إلا أنها ليست
صحيحة من جانب آخر .
ووجه ذلك: أن المشكلة ليست في الوقت فحسب ، ولكن المشكلة تكمن أيضًا
في طريقة إدارة الوقت بفعالية ونجاح ، ولذا: تجد من الناس من يستطيع بحسن
إدارته لوقته أن يعمل الشيء الكثير .
ولسنا بصدد الحديث عن أهمية الوقت ؛ لأن هذا موضوع آخر وفيه من
النصوص الشرعية وكلام السلف والعلماء والحكماء ما يضيق عنه المقام [1] .
لكن سنعرض إحصائية دقيقة تبين أهمية العمر والحرص عليه بما يثير الغيرة
لدى الإنسان المسلم .
لنفرض أن الإنسان يعيش عمرًا افتراضيًا مدته سبعون سنة ، فإذا ضيع
الإنسان خمس دقائق يوميًا فإن هذا يعني أنه أضاع من مجموع العمر كله ثلاثة
أشهر تقريبًا (88 يومًا) ، وهذا الجدول يوضح المسألة أكثر فأكثر .
الوقت من اليوم مجموع الوقت من العمر الافتراضي النسبة المئوية
-خمس دقائق ثلاثة أشهر 0.35%
-عشر دقائق ستة أشهر 0.71%
-عشرون دقائق سنة كاملة 1.42%
-ساعة كاملة ثلاث سنوات 4.28%
-عشر ساعات ثلاثون سنة 42.85%
ثم إذا نظرت إلى مجموع الأنشطة التي تستهلك الوقت تجد أنها كثيرة جدًا ،
وهي وإن كان بعضها ضروريًا لكن بعضها الآخر غير مفيد وغير فعال .
وهذا يتضح في الجدول التالي:
نوع النشاط ما يستغرقه بالسنوات النسبة المئوية من العمر كله
النوم، بمعدل ثمان ساعات يوميًا 23 32%
العمل، (من 7-2.5) يوميًا 21.5 30.7%
الأكل والشرب، بمعدل ساعة ونصف يوميًا 4.5 6.4%
نوع النشاط ما يستغرقه بالسنوات النسبة المئوية من العمر كله
-الأعمال المعتادة والمراجعات الحكومية
(بمعدل نصف ساعة) ... ... 1.5 2.14%
-الأعمال المنزلية والرحلات والتنزه
(بمعدل ساعة واحدة يوميًا) . ... 3 4.28%
-اللقاءات الاجتماعية والودية بين الأصدقاء
(بمعدل نصف ساعة يوميًا) . 1.5 2.14%
-التنقل من مكان لآخر
(بمعدل نصف ساعة يوميًا) . 1.5 2.14%
-الاتصالات الهاتفية
(بمعدل نصف ساعة يوميًا) . 1.5 2.14%
المجموع 61 سنة 87%
الباقي 9 سنوات 12.85%
فإذا حذفت من ذلك فترة المراهقة وزمن الطفولة فكم يا ترى يبقى من الوقت
للمشاريع الطموحة والأعمال الكبيرة ، والأهداف النبيلة .
ولا ننسَ أن هذه التقديرات هي متوسط الوقت الذي يقضيه عامة الناس مع
إمكانية أن يكون هناك إنسان يزيد على هذا المتوسط من الوقت المبذول لكل نشاط ،
كما أن هناك مَن ينقص من هذا ويكون شحيحًا بوقته إلى درجة الاقتصار على أقل
قدر ممكن مما يستحقه كل نشاط .
أقسام الوقت:
1-الوقت المادي الميكانيكي: وهو مقياس لحركة جسم مادي بالنسبة لجسم
مادي آخر ، كالفترة التي تستغرقها الأرض في الدوران حول الشمس ، ووحدات
هذا القسم: الثانية ، والدقيقة ، والساعة ، واليوم .
2-الوقت البيولوجي: وهو الوقت الذي يقاس فيه تطور الظواهر البيولوجية
ونموها ونضجها وكمالها ، ووحدته هي الجسم نفسه ، فقد يكون لطفلين عمر زمني
واحد كتسع سنوات مثلًا ، لكن أحدهما أكثر نضجًا من الآخر من حيث الطول
وكمال الجسم وتناسقه .
3-الوقت النفسي: وهو نوع آخر من أنواع الشعور الداخلي بقيمة الوقت ،
حيث يؤثر الحدث النفسي في ذلك إذا كان سعيدًا أو سيئًا أو خطرًا أو مهمًا ، فتبدو
الدقائق في الحدث السيء كأنها ساعات ، وتبدو الساعات في الحدث السعيد كأنها
دقائق .
4-الوقت الاجتماعي: وهو الوقت الذي يربط فيه تقدير الوقت بأحداث
اجتماعية مهمة إما عالمية أو محلية ، ولذا: نسمع كبارالسن يؤرخون بحياة فلان
وفلان [2] .
قواعد إدراة الوقت:
* القاعدة الأولى:
تحديد الأهداف والأولويات: هناك مثل قديم ساخر يقول: عندما لا تعرف
أين تتجه فإن كل الطرق توصلك ، وتحديد الهدف أمر على قدر كبير من الأهمية .
وللأسف فإن من التخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة ما يمكن أن نسميه
بأزمة الهدف أو غياب الأهداف وخاصة الأهداف الوسطى التي تخدم الهدف
الأعظم [3] .
-أقسام الأهداف:
يمكن أن تقسم الأهداف إلى ثلاثة أقسام:
1-الهدف الأكبر: وهو أهم هدف يسعى له الإنسان ونجد ما عداه من
الأهداف تخدم هذا الهدف ، وهو بالنسبة للإنسان المسلم: تحقيق العبودية لله(عز
وجل)، وبالنسبة للماديين: تحقيق أكبر قدر ممكن من اللذة والمصلحة والمتعة .
2-الأهداف الوسطى: وهي مجموعة من الأهداف تخدم الهدف الأكبر ؛
مثالها بالنسبة للإنسان المسلم: الدعوة إلى الله ، الصلاة ، طلب العلم ، بر
الوالدين .... الخ .
3-الأهداف الصغيرة: وهي ما يمكن أن يعبر عنها بأنها مجموعة من
الوسائل التي تخدم الأهداف الوسطى ؛ مثالها: طلب العلم هدف أوسط وهناك
مجموعة من الوسائل والطرق والوسائل لتحقيقه .