فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 788

الوصية الأولى: في القراءة الصحيحة: أن يستشعر طالب العلم أهمية الوقت وأهمية العمر وأن هذا الوقت الذي يمر عليه هو من عمره فلا يتصور طالب علم غير حريص على وقته وشحيح به ولا يعطي للوقت أهميته. كم ترى من الناس من تجده أرخص ما يبذله هو جلسة ساعة أو ساعتين أو رحلة يوم أو يومين =من أرخص ما يكون ، بل بالعكس تجد الإنسان يقرر الرحلة أو النزهة أو الجلسة دون أن يفكر ماذا ذهب عليه. وطالب العلم لا يمكن أن يزول عن باله هذه القضية لا يمكن عندما يتخذ قرارًا في رحلة أو في جلسة لا يمكن أن يعزب عنه عند اتخاذه للقرار ذهاب الوقت عليه ، فإذا علمت أنك ضنين بالوقت حريص على وقتك وعمرك لا لشيء إلا لأجل أنه سيفوت عليك القراءة فاعلم أنك على طريق صحيحة وإذا رأيت العكس في يوم رحلة وبعده جلسة ونحوها ثم تسرق الوقت مسارقة لقراءة ساعة =فلا تصنّف نفسك أنك طالب علم مجد أبدًا لا تصنف نفسك مع الطلبة المجدين في العلم وهذا قصور كبير جدًا ، لو قيل له: ادفع مئه أو مئتين فكّر. وإذا قيل له ابذل يوما أو يومين أو ثلاثة ليس عنده أي إشكال وهذه حقيقةُ ُ مرّة ، على طالب العلم أن يعتني بالوقت وأن يحرص على أهميته وأن يربي نفسه حتى يصبح هذا الأمر سجيّة ويقّدر الوقت الثمين الذي ذهب عليه لأننا نمر بإشكالية عظيمة وهي إسراف عظيم في بذل الوقت بلا فائدة ومن نظر وسبر حال الأئمة وجد أنهم ما بلغوا ما بلغوا = إلا بشحهم بالوقت وهذا ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ يقول كما في صيد الخاطر فإن قلت إني قرأت أكثر من عشرين ألف مجلدة وأنا في الطلب فأنا مقل. عشرين ألف والمجلد ليست كمجلداتنا هذه عشرين ألف في الطلب. لا يمكن أن يقرأ هذا الكم الهائل وهو كريم في وقته. وابن جرير الطبري عندما أراد أن يكتب تاريخ الإسلام والتفسير قال: إيتوني بثلاثين ألف ورقة. فقالوا: يا إمام هذا تنقطع دونه أعناق الإبل. فقال: الله المستعان ذهبت الهمم. فكتب في ثلاثة آلاف. ومن رأى حال هؤلاء الأئمة وشحهم في الوقت بل إنهم ـ رحمه الله ـ يشحون بالوقت حتى على العبادة من أجل القراءة وقصة الإمام أبو الفتح ابن دقيق العيد القشيري الإمام المشهور سمع بأن الشرح الكبير للإمام الرافعي ـ رحمه الله ـ قد نسخ واشتراه بثلاثة آلاف درهم وعكف على قراءته حتى إنه اقتصر على الفرائض فكان لا يصلي النوافل العامة مع أنه يعلم أن الطاعة فضلها عظيم لكنه شحّ بالوقت. ونحن الآن عندنا مساحات كبيرة من الفراغ ومساحات عظيمة من الوقت فكم هو الذين يسألون عن أوقاتهم ، وما أتى هذا إلا بعدم استشعار أهمية الوقت والنفس تحتاج إلى استجمام وهذا لا شك من فقه النفس ولكن هل وصلنا إلى مرحلة الاستجمام نحن عندنا ترهل!! في مسألة بذل الوقت والكرم في تقديمه للناس وهؤلاء الأئمة كانوا يضنون بالوقت ويبخلون به على أنفسهم وأهلهم حتى في ساعة الوفاة وتحضرني قصة ابن جرير الطبري لما حضرته الوفاة وهو في النزع فسمع شخصًا بجانبه وهو يدعو ويقول الدعاء المشهور: اللهم يا سابق الفوت ويا سامع الصوت ويا كاسي العظام لحمًا بعد الموت. فقال: من قال هذا الدعاء. فقيل: إنه منقول عن جعفر بن محمد أو نحوه. فقال لولده: إئتني بصحيفة فأتي بالصحيفة فكتب الدعاء. فقالوا: يا إمام أنت الآن في وقت كتابة الصحيفة فقال: إني أخجل أن ألاقي ربي وأنا لا أعرف هذا الدعاء. ـ رحمه الله ـ فهؤلاء الأئمة يخجل الإنسان عندما يسمع قصصهم وعندما يقارن نفسه بهم وتمر علينا لا أقول الساعة ولا الأيام بل قل الأسابيع والإنسان إن حضر درسًا واحد عدّ نفسه من طلبة العلم الكبار وهذه تربية وهذا ما نريده في هذا الدرس أن نستشعر أهمية الوقت وأن نحيي في نفوسنا أهمية القراءة وأن الوقت مهما بالغت فيه فلا تظن أنك فعلت ما فعله الأوائل ومن حسب لنفسه كم ورقة قرأ خجل من نفسه ، كم عندك من الكتب المرصوصة الآن قد لا تجد كتابًا مجلدًا واحدًا قد أنهيته وهؤلاء الأئمة وفي ساعة النزع والاحتضار يحرصون على الوقت ويكتبون العلم ويحرصون عليه لأجل ألا يضيع عليهم شيء. وتعرفون قصة القاضي أبو يوسف ـ رحمه الله ـ عندما كان في ساعة الاحتضار وفي ساعة النزع حتى قيل إنه لما كتب سمع صياح أهله عليه التفت إلى أحد تلاميذه فقال: ترمى الجمرة راكبًا أم راجلًا وهو في ساعة الاحتضار فقال التلميذ: بل راكبًا. قال: أخطأت. قال: بل راجلًا. قال: أخطأت. فقال: كيف يا إمام؟ فقال: إن كانت الجمرة بعدها دعاء فراجلًا وإن كانت الجمرة ليس بعدها دعاء فراكبًا. انظر إلى التعليم والحرص على الوقت والاحتساب. والأمثلة كثيرة في زمننا هذا فمثلا الشيخ ابن باز في سيارته وفي طريقه ومجيئه وفي كل وقت ،كل ما تعلم الإنسان عرف أهميته وكلما ندم على تفريطه في وقته وكرمه الزائد مع الناس في بذل الوقت وهذا الشيخ ابن عثيمين في إتيانه ورجوعه للمسجد يُقرأ عليه. قُرأ عليه كثير من رسائله فقط في مجيئه وذهابه. يعني ما الذي جعلهم يفعلون هذا؟ هل ما يجدون أوقاتًا مثلنا؟! بل الشيوخ في الوقت حرصوا على أوقاتهم بخلافنا نحن والله المستعان تجد الإنسان يجلس الساعة والساعتين والثلاث والأربع واليوم واليومين والثلاثة لا يفكر أنه قد ذهب عليه عمره سدى. ، وهنا تنبيه مهم وجيد وهو أن بعض الناس يظن في نفسه شيئا من الحرص على القراءة ويشعر أن وقته لا يكفي للقراءة ودائما ما يندب الزمن وإذا نظرت إلى قراءته في اليوم الواحد وعدد ساعات القراءة وجدتها لا ترتقي إلى المستوى الذي كان يتوقع من نفسه وإنما هي أوهام في رأسه وإبر تخدير وضعها كعقبة عن الحرص والمثابرة ، وأذكر أحد الإخوة توفي رحمه الله استشارني قبل سنوات ونحن في أول الإجازة بأن يترك الكلية لأجل أن الوقت لديه قليل ووقت الكلية يأخذ منه قدرا كبيرا من أول النهار إلى الظهر ويقول إني أرجع من الكلية وأنا متعب فلا يبقى إلا العصر وبعد العشاء فأريد أن أترك الكلية لأجل أن أستفيد من هذا الوقت وهو صادق في رغبته فقلت له: قبل الدراسة بأسبوع أعطيك رأيي وقد كنت أريد أن أختبره وأثبت له أن الخلل في نفسه وليس في الزمن = لما جاءت الدراسة أتى واستشارني فقلت له في فترة الإجازة أعطني أقصى يوم قرأت فيه من الساعات فسكت ثم قال أذكر أربع ساعات أو خمس ساعات فقلت أربع ساعات يجدها صاحب الجامعة ومن يدرس!! إذا الدراسة ليست من العوائق ، لكن الشاب من حماسه يجد أنه يستطيع أن يفعل شيئًا لكن على سبيل الواقع لا يفعل شيئًا فلا تغش نفسك فعلًا. الهمة موجودة لكن أين التطبيق. هذه الوصية الأولى وهي: استشعار الوقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت