فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 788

الوصية الثانية: لا تقفز إلى الكتب التي لم تتأهل لها ولو كان فيها مجموعة من الفوائد ثق أنك لن تصل إلى ما تريد من العلم ما دمت تقفز إلى الكتب الكبار لأن المبتدئ من أوضح خصائصه الملل فليست معه لياقة تسعفه لقراءتها وجردها ، والكتب الكبار التي لم تتأهل لها هي أول ما يأتي بالملل إليك ، ونضرب مثالا: شخص ابتدأ بالفتاوى لا شك أن في الفتاوى أشياء تجذبك للقراءة وأعرف كثيرًا من الطلبة ابتدأ بفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية فلما قرأ في الفتاوى يأتي فصل فيفهمه وفصل لا يفهمه وفصل يفهمه فهمًا خاطئًا وباب يجد فيه من التناقضات الشيء الكثير فتجده مباشرة يلتفت إلى كتاب آخر فيظن أن المشكلة والمصيبة في الكتاب والحق أن المصيبة به هو وأنه انتقل إلى كتاب يحتاج إلى مقدمات لقراءته وهكذا تجد الشاب يهتم بقراءة أشياء كثيرة ويترك أشياء قليلة ويظن أن هذه الأشياء الصغيرة غير مهمة أو أنها ستأتي من باب أولى عند قراءة الكتب الكبار وهذا غير تصور خاطئ ، وإنما كتب المبتدئين تكوّن قاعدة من أجل أن يتأهل لما بعدها وأذكر أن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ كما ذكر ذلك ابن القاضي أبي يعلى محمد بن الحسن ذكر قصة الإمام أحمد أنه جاءه رجل فقال: يا إمام ما رأيك بماء الورد أيُتطهر به؟ فقال الإمام أحمد: لا أحب ذلك ـ رحمه الله ـ. فقال: أيُتطهر بماء الباقلاء؟ قال: لا أحب ذلك. ثم أصبح يسأله مثل هذه الأسئلة فلما أراد أن يقوم جذبه الإمام أحمد فقال: أتعرف ماذا تقول إذا دخلت المسجد؟ قال: لا. قال:أتعرف ما تقول إذا خرجت من المسجد؟ قال: لا. قال: اذهب فتعلّم هذا.

هناك مقدمات لا ينبغي للإنسان أن يجهلها لا ينبغي للإنسان أن ينتقل إلى شيء كبير وهو لا يعرف هذه الأشياء. وهذه يا إخوان ضررها عظيم حتى في تكوين شخصية طالب العلم لا يشعر بها الشاب عاجلا وفي سن الصغر وإنما يدركها إذا كبر به السن وتأهل وانتصب للناس تجد الإنسان لمّا يسأل في مسائل الطلاق المسائل الكبار التي تبحث قد يجيب فإذا جيء به إلى مسائل صغيرة جدًا فإذا هو يحار فيها ويتوقف. الناس لا يقبلون مثل هذا. يقبلون أن لا تعرف الإجابة في أشياء كبيرة فتقول: أجيب غدًا، أجيب فيما بعد. لكنهم لا يقبلون أن تخطئ أو تجهل مسائل يعرفها صغار الطلبة. فتجد أنك مرة بعد مرة تحاول الفكاك من الناس، وتحاول أن تبتعد عن الناس تخشى أن تتكشف أوراقك وهذا سببه ماذا؟ هو عدم التدرج في القراءة وأنك تنتقل إلى كتب لم تتأهل لها الآن؛ فتحاول أن تقفز وتختصر الوقت فتظن أن هذا اختصار للوقت وهو في الحقيقة ليس اختصارًا وإنما هو فوضى عارمة يمرّ بها الشاب وهي معروفة ، إن لم يكن الإنسان قد ضبط نفسه فإنه يجد لهذه الكتب الكبيرة شهوة وحبا لكنه لا يعلم ضررها إلا فيما بعد. المعلومات لا ترسخ بينما الكتب الصغار التي يبتدأ بها الطالب ويحاول أن يقرأها مرة مرتين ثلاثًا تؤهله إلى ما بعد ذلك ولهذا يقرأ الشاب المبتدئ العقيدة الواسطية مرة مرتين ثلاثا أربعا يجد فيها علمًا كثيرًا وتجد أن هذا المبتدئ إذا حفظه قد ضبط العلم كثيرًا؛ المعلومات التي في العقيدة الواسطية موجودة في الفتاوى لكنها هنا مركزة ومرتبة ليس فيها تشويش على الطالب يذكر الخلاف ويذكر الحجج ويذكر الاعتراضات، بينما لو قرأ العقيدة الأصفهانية لوقف في الصفحة العاشرة ولعجز أن يكمل هذا الكتاب لأنه لم يتأهل له حتى الآن فالطالب دائمًا يحرص ألا ينتقل إلى كتاب إلا وهو قد تأهل له. لا تقفز لو كان القفز سليمًا لقفز الناس من مئات السنين ولما احتاج الناس إلى الكتب الصغار كل يريد أن يختصر العمر كل أحد يريد أن لا يضيع وقته لكن الناس وجدوا أن هذه هي الطريقة الصحيحة للتدرج في القراءة؛ يقرأ الإنسان ما أوصى به علماؤنا للطالب المبتدئ كتاب التوحيد يقرأه مرة مرتين، العقيدة الواسطية مرة مرتين، زاد المستقنع مرة مرتين، الأربعين النووية يقرأها مرة مرتين ثلاثة، ثم ينتقل إلى عمدة الأحكام مرة مرتين ثم بلوغ المرام وهكذا يكون عنده حصيلة هائلة ثم بعد ذلك يبدأ بقراءة المطولات. بوقت قصير يسهل عليه أكثر ما في المطولات. حصيلته موجودة في عقله إنما هو تثبيت ورد حجج وذكر للأدلة وأما المسائل فإنها مفهومة. ولهذا نجد أن بعض الناس يأتي إليك فيسألك في مسائل هو مبتدئ فيقول ما معنى عبارة شيخ الإسلام هذه إما في العقيدة الأصفهانية أو في الرد على النسفي في المنطق. ما الذي جعلك تقفز إلى هذا الكتاب وأنت حتى الآن لم تتأهل إلى هذه الكتب. من الخطأ أن تقفز قبل أن تتأهل ولهذا هذه المقدمات في العلوم التي يقرأها الإنسان مقدمات كل علم إنما هي تؤهله إلى هذه الكتب. تقرأ في الأصول فتعرف قياس الشبه وقياس العلة وقياس الدلالة وقياس الطرد هذه أشياء كبيرة جدًا لا تكاد تخلو من أي كتاب ثم تقرأها في كتاب مطوّل لا يشرح لك هذه الكلمات إنما هذه الكلمات تأتي عند البداية في الطلب مرة مرتين حتى تكون هذه المصطلحات عندك واضحة. لمّا تنتقل إلى هذه الكتب تكون قد ضبطتها وفهمتها فلا تنتقل لكتاب لم تتأهل له بعد.

الوصية الثالثة: لا تجمع في قراءتك كتبًا تحتاج إلى تحليل.

بمعنى أن الإنسان عندما يقرأ في كتاب يحتاج إلى فهم وتحليل عبارة. هذا الكتاب إذا جلست ساعة ونصفا وأنت تقرأ فيه وهو كتاب ليس بذاك السلس في القراءة انتهيت منه والذهن مكدود من شدة التأمل ثم التفت إلى كتاب آخر وهو يحتاج أيضًا إلى إعمال ذهن وتعقيد في الألفاظ وبدأت تقرأ فيه ساعة ونصفا ثم التفت إلى كتاب آخر في نفس اليوم والكتاب أيضًا عسر، عبارته صعبة ويحتاج إلى تأمل وتدقيق وجلست فيه ساعة ونصفا في أول يوم تخرج من هذه القراءة والذهن متعب جدا في اليوم الثاني في اليوم الثالث ستجد نفسك تنفر من هذا الشيء لا تحب أن تُعمل هذا العقل كثيرًا. بهذه الطريقة كل سطر يحتاج إلى تأمل فيه يحتاج إلى قراءة وتكرار وأنت تحس أن بعض الألفاظ لم تفهمها تأتي هذه العبارة ولم تفهمها ثم تتنقل للكتاب الآخر وتأتي عبارة لم تفهمها ثم تأتي إلى كتاب آخر وهذه العبارة لم تفهمها ماذا يحصل للشاب المبتدئ؟! يتخذ قرارًا بترك القراءة. سيقول لك العلم ليس لي لكن لو أنه جعل له كتابًا واحدًا من كتب الأصول أو كتب العقائد لا يجمع معها كتابا آخر يحتاج إلى تعب في فهمه وما بعده يكون قراءة ميسورة لا تحتاج إلى إتعاب الذهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت