فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 788

وأعلنت النتائج ، وبدأت الإجازة الصيفية الطويلة ، تلك الإجازة التي ينتظرها ملايين الطلاب والطالبات من أبنائنا وبناتنا ؛ ليستريحوا من عناء السهر والمذاكرة ، والذهاب يوميًا إلى المدارس والجامعات والمعاهد .

نعم .. لقد بدأت الإجازة ، والله أعلم بما قضى الله فيها من الأقدار والأخبار .. الله أعلم كم فيها من رحمة تنتظر السعداء !! وكم فيها من بلية ومصيبة تنتظر الأشقياء !! نسأل الله العظيم بمنه وكرمه وهو أرحم الراحمين أن يجعل ما وهب لنا من زيادة العمر زيادة لنا في كل خير ، وأن يعصمنا فيها من كل بلاء وشر .

والكلام حول الشباب والإجازة سيكون بإذن الله تعالى في عناصر:

1.الوقت هو الحياة

2.أحوال الشباب في الإجازة

3.مشاريع في الإجازة

4.الشباب والسفر

5.منغصات الإجازة

1.الوقت هو الحياة:

اعلم أن الوقت الذي أنت فيه هو حياتك، إذا عمرته فإنما تعمر حياتك، وإذا قتلته فإنما تقتل نفسك .

ولأهمية الوقت ، فإن الله سبحانه وتعالى أقسم به في أوائل سور كثيرة .

{وَالْعَصْرِ إن الإنسان ...}

{وَالْفَجْرِ } ، {وَالضُّحَى} ، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} ، إلى غير ذلك من الآيات .

والله سبحانه يقول: (( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) ).

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: أي إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة .

الوقت هو ثمرة العمر ، فهل ثمارنا طيبة أو خبيثة؟

يقول ابن القيم رحمه الله: ( السنة شجرة، والشهور فروعها، و الأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل ) .

قال الحسن البصري رحمه الله: أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشدّ منكم على دراهمكم ودنانيركم .

وعامر بن عبد قيس - أحد التابعين - قال له رجل مرة: كلّمني . فقال له: أمسك الشمس ! وما ذلك إلا ليشعره بقيمة الوقت .

فماذا عسانا أن نقول بعد هذا ، وفينا من يتفنّن في تضييع الأوقات بتوافه الأمور والأشياء ، بل وبما يُغضب الله .

وههنا سؤال يحتاج إلى إجابة: متى يعرف المفرط قدر الوقت وقيمة العمل فيه؟

ذكر الله تعالى في القرآن الكريم موقفين عظيمين يندم فيهما الإنسان على ضياع الوقت والحياة ، ويعلم أنه كان مغبونًا خاسرًا في حياته .

الموقف الأول: ساعة الاحتضار .. حينما ينزل الموت بالعبد المفرط (فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين) .. إنه يريد تأخير الأجل ولو قليلًا من الوقت (إلى أجل قريب) .. إنه يريد فرصة من الوقت ليتدارك حياته بالعمل الصالح .

الموقف الثاني: في يوم القيامة .. حين يقول المفرط في جنب الله حين يرى العذاب (لو أن لي كرة فأكون من المحسنين) .. (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين)

خصائص الوقت:

وإذا أردنا أيها الأحبة أن ندرك أهمية الوقت وخطورته فلنتأمل بعض خصائصه . فمن خصائص الوقت:

1.أن ما مضى منه لا يعود ولا يمكن تعويضه . كما قيل: الوقت كالسيف ، إن لم تقطعه قطعك .

يقول الحسن: ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم ، أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني لأني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة .

قد تعوض المال .. قد تعوض الأولاد .. أم الوقت فلا يمكن تعويضه.

2.سرعة مروره وانقضائه ، فالوقت يمر مر السحاب ولا سيما بالنسبة للصحيح المعافى من الأمراض والهمومذ، فإنه سرعان ما يمر به الوقت ، كما قيل:

فقصارهن مع الهموم طويلةٌ وطوالهن مع السرور قصار

ومن العجيب ، ما جاء في السنة من أن الوقت يتقارب ويمضي سريعًا في آخر الزمان .

فعن أنس t أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كالضرمة بالنار"رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع .

3.أنه محدود بأجل مسمى ، وهذا الأجل مجهول بالنسبة للإنسان ، فأنت لا تدري متى تنقطع أنفاسك ويحل أجلك ، (فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) .

4.أنه أنفس ما يملكه الإنسان ، وليس كما قيل: الوقت من ذهب ، بل هو أغلى من الذهب .

5.أنه على الرغم من نفاسته وأهميته فإن أكثر الناس مغبونون فيه ، يقول الناطق بالوحي صلى الله عليه وسلم: {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ} [رواه البخاري عن ابن عباس ] .

قال ابن بطال: (كثير من الناس) أي أن الذي يوفق لذلك قليل.اهـ

وإنما يعرف قدر هاتين النعمتين من حرمها .

هل تأملت أخي الشاب ذلك الشاب الذي تعرض لحادث سيارة فأصبح مشلولًا مقعدًا طوال حياته لتعلم كم أنت مغبون في صحتك .. وهل تأملت آخرين ممن يعيشون خلف القضبان وبين الجدران في السجون لتعلم كم أنت مغبون في فراغك .

ومن العجيب أنك قد ترى بعض المرضى والمشلولين والمسجونين يستثمرون أوقاتهم بصورة صحيحة وجيدة ، أما الذين أصح الله أجسادهم ، وعافاهم من الأمراض والمشغلات المقلقة ، فإنهم يتسابقون في تضييع الأوقات وقتلها .

أخونا أحمد الشهري شاب مشلول من نزلاء مستشفى النقاهة ، لا يتحرك منه إلا رأسه !! وقد وضع له جهاز مطاطي تحت ذقنه لتحريك كرسيه لليمين أو الشمال ، ومع ذلك فهو يدعو إلى الله ويلقي الكلمات يحضر الدروس ويصلي على الجنائز .. وإذا تحدث لا تمل من حديثه وعلمه ، نسأل الله تعالى أن ينفع به ويبارك فيه .

ومن النماذج المشرقة مل نقله أحد الإخوة عن الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله ، من حرصه العجيب على اتباع الجنائز وزيارة المريض والصدقة .. وربما كان للشيخ كلمة يوم الخميس بجامع الراجحي ، فيلقي الكلمة ، ثم يتبع الجنازة ، ويزور مريضًا ، ويتصدق .. يطبق حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أصبح منكم اليوم صائمًا ؟ قال أبو بكر: أنا . قال فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟ قال: أبو بكر: أنا . قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينا ؟ قال: أبو بكر: أنا . قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا ؟ قال أبو بكر: أنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة".

ويضاف إلى هذا الأمر ما عرف عن الشيخ من اشتغاله بالعلم وملازمة الدروس ، والحرص على الفوائد والمسائل ، وقد أدركت دروس شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله في أواخر عمره ، فكنت أتعجب عندما أرى الشيخ عبد العزيز الراجحي وقد شابت لحيته يزاحم صغار الطلاب بعد الدرس ليسمع إجابات الشيخ ابن باز وهو يمشي بعد الدرس . فنسأل الله ان يثبت الشيخ ويبارك في عمره .

6.أن هذا الوقت هو محل الحساب يوم القيامة ، وكل إنسان محاسب على أوقات عمره كلها وما يشغلها به من أعمال وأقوال، قال الله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) .

روى الترمذي وغيره بسند صحيح عن أبي برزة الأسلمي عن النبي قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه فيم فعل فيه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن جسمه فيم أبلاه) . وفي رواية (وعن شبابه فيما أبلاه) كما في حديث ابن مسعود عند الترمذي ومعاذ عند البيهقي وغيره .

إذا عرفنا خصائص الوقت وشرفه وأهميته ، فإننا لا بد من استغلال الوقت بالأعمال النافعة في الدنيا والآخرة .

2.أحوال الشباب في الإجازة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت