فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 788

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

وبعد: فهذه رسالة موجزة لشيخي وأستاذي الدكتور على الشريف ، حول موقف الإسلام من بدعة المآتم:

تلك البدعة الشائعة في بعض البلدان لدى كثير من العوام ، بل وبعض المتعلمين ، مع كونها من عادات الجاهلية التي حرمها الإسلام ، ومع ما فيها من إضاعة الدين والمال والوقت والجهد .

فترى الناس في بعض البلدان الإسلامية إذا فقدوا حبيبا أقاموا المآتم ونصبوا الولائم ، وأنفقوا الآلاف ، وصموا آذانهم عن صوت الدعاة المخلصين الغيورين الذين يحاربون تلك البدع وينكرون على أصحابها وينصحون بالتمسك بالسنة وإحيائها سيما في الأحوال التي تطرأ على الإنسان من أفراح وأتراح ، فيعلو صوت التقليد الأعمى والتفاخر المقيت والتباهي الكاذب ، و يقدَّم مراعاة الخواطر ومداراة الناس وإرضاؤهم ، والبذخ على حساب"الميت"يقدم ذلك على الحرص على ما ينفعه ، ويرضي الله ورسوله وصالح المؤمنين ، فلو كان أهل الميت محبين له مخلصين لذكراه لبحثوا عما ينفعه من قضاء دينه والتصدق عليه والاستغفار له ورعاية أولاده والسعي على أرملته ، ولكنها المظاهر الكاذبة والتقاليد البالية هي الغالبة على من لا خلاق لهم .

وأعظم من مصيبة الموت: مصيبة الخميس والأربعين حيث يجتمع أهل الميت ومعهم الأقارب والأصدقاء والمحبين بعد أول خميس يمر على الميت ويسميه العوام في بعض البلاد"خميس الطين"، وبعده الخميس الصغير ويليه الخميس الكبير، وربما استعانوا فيه بمقرئ وأقاموا فيه الولائم والعزائم وعطلوا فيه المصالح ، وضيعوا الأوقات في البدع والخرافات في زمن صار الوقت يحسب فيه"بالفيمتو ثانية"ومع ذلك فلا بأس من إهدار الطاقات وإضاعة الأوقات لإحياء بدعة وتجديد الأحزان وفتح جروح كادت أن تلتئم .

* لقد كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يدركون قيمة الوقت وأهميته ويستشعرون أنه أمانة ومسئولية فيحافظون على أوقاتهم في كل نافع ومفيد ويحرصون على الوقت حرص أولئك المبتدعة على الدراهم والدنانير:

* فهذا أبو يوسف القاضى صاحب الإمام أبي حنيفة ، كان شديد الملازمة لشيخه ، لازم مجلسه أكثر من 17 سنة ، ما فاته صلاة الغداة معه ، ولا فارقه في فطر ولا أضحى إلا من مرض ، روى محمد بن قدامة ، قال: سمعت شجاع بن مخلد ، قال: سمعت أبا يوسف يقول: مات ابن لي ، فلم أحضر جهازه ولا دفنه وتركته على جيراني وأقربائي ، مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شئ لا تذهب حسرته عنى ) 2. (1)

* ومات ولد لوكيع بن الجراح المحدث الفقيه فخرج يوم وفاة ولده وروى للناس أربعين حديثا زيادة على ما كان يروي في كل درس .

* ومات ولد للقائد المظفَّّّر صلاح الدين الأيوبي وجاءه الخبر وهو في إحدى المعارك فاستقبله بالصبر الجميل وتجلَّد واحتسب ولم يحدث أحدا ولم يظهر عليه شيء من الألم سوى دمعة ذرفت من عينيه: يقول القاضي ابن شداد الذي كان يرافقه:"فانظر إلى هذا الصبر والاحتساب وإلى أي غاية بلغ هذا الرجل ؟ اللهم إنك ألهمته الصبر والاحتساب فلا تحرمه ثوابه يا أرحم الراحمين 3 (2) "

وورد أن حاتم الأصم بلغه أن رجلا يدعى معاذا الكبير أصابته مصيبة فأعلن الحداد ولبس السواد واستدعى النائحات وكسر الأواني فاتفق حاتم الأصم مع تلميذ له أن يذهبا إليه ، وأن يسأله إذا جلسا عنده عن تفسير قوله تعالى إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ {6} سورة العاديات.

فلما ذهبا إليه ودخلا عليه بادر التلميذ بالسؤال فقال حاتم: ليس هذا وقت السؤال ، فسكت التلميذ برهة ، ثم أعاد السؤال فقال شيخه حاتم: ليس هذا وقت السؤال ، ثم أعاد التلميذ السؤال مرة ثالثة فأجاب حاتم معنى إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ {6} أي عداد للمصائب ، نسّاء للنعم مثل معاذ هذا ، ابتلاه الله بالنعمة عشرين سنة فلم يفكر في جمع الناس عليها ، فلما ابتلاه U بهذه المصيبة جمع النائحات وأعلن الحداد ، فخجل معاذ من صنيعه وندم عليه وتاب إلى الله تعالى ورضى بقضائه"4 (3) "

* وهذه رسالة تضمنت فتاوى حول موقف الإسلام من المآتم وما يلحقها من أجور القراء عليها ، مع استطراد إلى حكم أخذ الأجر على الرقى وتعليم القرآن وقد دفعها لي أستاذي وشيخي ومعلمي أبي محمد على بن محمد بن يوسف الشريف لأقرأها وأنتفع بها فرأيت من المفيد أن تنشر فينتفع بها الجميع فدفعتها إلى أخي محمد فصفَّها لي في ممصر ثم سفرللعممرة وسلمها لي عندما تلاقينا بمكة المكرمة عند باب الحجون في شهر رمضان 1425 هـ ، فأخذتها وقدمت لها بهذه المقدمة المتواضعة فجزى الله أخي خير الجزاء .

* والشيخ الدكتور على الشريف غني عن التعريف يعرفه طلابه في جامعة الأزهر وجامعة الإمارات وكلية التربية للبنات بجدة كما يعرفه العاملون في حقل الدعوة فهو من الدعاة المخلصين ، وله مواقف في الحق شاهدتها بنفسي فضلا عما لمسته بنفسي في مدة ملازمتي له من تمسك بالسنة وحرص على إخماد البدع والإنكار على أصحابها مهما كلفه ذلك فهو لا يخشى في الحق لومة لائم ولقد أصابته بسبب ذلك محن وابتلاءات قابلها بالصبر والثبات ، ولم يسلم من مكائد بعض المتعصبين للبدع ، ومع ذلك فهو ماض على طريق الحق بخطى ثابتة وبصيرة نافذة وروح وثََّابة ، وله حفظه الله كتابات طيبة مباركة منها موقف سورة آل عمران من أهل الكتاب ، ورسالة في أحكام وآداب تلاوة القرآن ، وتفسير سورة الحجرات وتفسير سورة الفتح ، ودراسة لآيات الخمر في القرآن .

* وكتاباته حفظه الله دقيقة وموثقة ، هذا فضلا عما منَّ عليه الرحمن من طلاقة لسان وفصاحة وبيان ولو أتيح له ما أتيح لغيره من منابر إعلامية لكان ملأ القلوب والأسماع ، ولكن شأنه شأن كثير ممن أعرفهم من أصحاب المواهب الخطابية الذين لم تفتح لهم أبواب إعلامية لينشروا العلم ويبينوا السنن على أوسع نطاق . 5

* ولكنه مع ذلك لم يألُ جهدا ولم يترك مجالا ممكنا إلا وأفاد فيه وأجاد ، وأعتذر للقارئ الكريم على هذا الاستطراد ، وأسأله تعالى أن يوفق جميع العاملين في حقل الدعوة وأن يرزقنا القبول .

* وبعد فهذه لمسة وفاء لشيخي وأستاذي أن أقدم للقراء الكرام بعض نتاجه وأن أعرّف بشيخي من لا يعرفه من غير المتخصصين فحقهم علينا أن نعرفهم بأهل العلم وأن نقربهم منهم ، وشيخنا حفظه الله من أهل الشرقية ومقيم في مدينة الزقازيق

والله أسأل أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا .

كتب هذه المقدمة

الفقير إلى الله

أحمد بن محمد الشرقاوي

عنيزة - 0508859385

الأجرة علي القرآن الكريم

اعتاد كثير من الناس في بعض البلدان الإسلامية ومن أمد غير بعيد على إقامة المآتم في مناسبات وحالات الوفاة فيما يسمي بالسرادقات التي تقام من أجل ذلك أو فيما يسمي بالمضايف التي تقام في بعض القرى ، أو فيما يسمي بدور المناسبات في بعضها الآخر ، أو في المدن ، اعتاد هؤلاء إقامة ذلك ، ويتبعه بالطبع استئجار مقرئ أو أكثر يقرأ القرآن علي الحاضرين ممن قدِموا لأداء العزاء ، ثم إعطاؤه أجرًا علي القراءة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت