ولقد اختلف العلماء في عمل وإقامة مثل ذلك اختلافا كثيرًا ، وسنعرض لبيان أقوال وآراء العلماء في هذين الأمرين ( إقامة المأتم ) و ( إعطاء الأجرة مقابل قراءة القرآن في هذا المأتم ) ومحور الحديث إنما هو بيان الحكم الشرعي في أخذ الأجرة علي القراءة ، ولقد جاء الحديث عن بيان الحكم الشرعي في إقامة المأتم باعتباره سببًا في دعوة المقرئين لقراءة القرآن فيه .
ونستهل الحديث أولًا عن المأتم باعتباره السبب والمقدمة للقراءة والأجرة عليها فنقول وبالله تعالى التوفيق:-
حكم إقامة المأتم:-
ذكرت فيما سبق أن محور الحديث هو إعطاء الأجرة في مقابل قراءة القرآن في المأتم وأخذ المقرئين لها نظير تلك القراءة ، هذا هو محور الحديث لما له من الصلة البينة والوثيقة بآداب تلاوة القرآن الكريم ، إذ إن المأتم هو السبب المباشر في الإتيان بالمقرئين للقراءة في هذه المآتم ، وفى مستهل حديثنا عن بيان الحكم الشرعي في إقامة المأتم وأخذ الأجرة علي قراءة القرآن وفى مستهل ذلك:-
أولا:
أحببت أن أنبه القارئ إلي مسألة خطيرة وبالغة الأهمية في حياة المسلمين وأذكر بها ، وهي وجوب الرجوع إلي كتابQ تعالي وسنة رسوله r وذلك في حالة حدوث النزاع والخلاف ، امتثالا لأمر Q تعالي في قوله فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا { (6) ، والرد إلى Q تعالي إنما هو الرد إلي كتابه ، والرد إلي الرسول r هو الرد إلي سنته ، قال ذلك مجاهد وكثير من علماء السلف من المفسرين وغيرهم ، وذكره ابن كثير عند تفسير الآية الكريمة السابقة من سورة النساء فقال ، قال مجاهد وغير واحد من السلف أى: إلي كتاب Q تعالي وسنة رسوله r ، ثم استطرد ابن كثير مبينا ما تضمنته الآية الكريمة من معان تؤكد وتقرر مسألة الرد إلي Q ورسوله ، وأن هذا أمر واجب علي كل مسلم رضى بالله تعالي ربًا ، وبمحمد r نبيًا ورسولًا ، يقول رحمه Q تعالي: '' وهذا أمر من Q عز وجل بأن كل شئ تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلي الكتاب والسنة فما حكم به كتاب Q تعالي وسنة رسوله r وشهدا له بالصحة فهو الحق ، وماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ولهذا قال تعالي } إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ { أى: ردوا الخصومات والجهالات إلي كتاب Q وسنة رسوله فتحاكموا إليهما ، فيما شجر بينكم } إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ { فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلي الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر ، وقوله } ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا أي: أحسن عاقبة ومآلًا ، كما قال السدي وغير واحد ، وقال مجاهد أحسن جزاءًا ، وهو قريب .
هذا هو ما تضمنته الآية الكريمة وما تؤكده من الأمر برد ما تنازع الناس فيه إلي كتاب Q وسنة رسوله r ، وتقرر هذا المعنى وتأكد بما لا يدع مجالًا لأدنى ريبة ممن في قلوبهم مرض وتأكد هذا في قوله تعالى وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (7) .
ومن هذا المنطلق الكريم ، منطلق الوحي الإلهي العظيم ، وحي القرآن والسنة نناقش هذين الأمرين ، إقامة المآتم ، وأخذ الأجرة علي قراءة القرآن فيها .
ونبدأ أولا بعرض وذكر الأدلة من كتاب Q تعالي فنقول وبالله التوفيق:-
الأدلة من القرآن الكريم
لقد نهي Q تعالي عن التبذير والإسراف في كثير من آيات القرآن الكريم وبالغ في النهي عن ذلك إذ وصف المبذرين بأنهم إخوان للشياطين وقرناؤهم ، ذكر Q تعالي ذلك في قوله تعالى وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا { (8) ، وجاء النهي عن التبذير في الآية الكريمة عقب الأمر بإعطاء ذوى الحقوق حقوقهم، من القرابة ، والفقراء ، والمساكين ، وأبناء السبيل ، وجاء النهي في هذا السياق استدراكًا أريد به الحفاظ على المال ورعايته والاهتمام بشأنه ولقد أمر Q تعالي بالاعتدال والتوسط في الإنفاق حتى ولو كان ذلك في سبيل الله في الصدقة وفى غيرها ، وذلك في قوله تعالي } وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا { (9) .وفى قوله تعالى } وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (10) .
يقول ابن كثير عند تفسير هذه الآيات: '' ففى آية الإسراء لما أمر بالأنفاق نهى عن الإسراف فيه بل يكون وسطًا كما قال في الآية الأخرى وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ، وقال ابن كثير عند تفسير آية الفرقان: '' أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة ولا بخلاء علي أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم ، بل عدلًا خيارا وخير الأمور أوسطها لا هذا ولا هذا (11) .
والإسلام وإن كان قد رغب في الإنفاق في سبيل Q وفى أوجه البر والخير وندب إلى الوصية في المال فإنه قد بين أن ذلك يكون في حدود ثلث المال لا يتجاوز ذلك ، فقد أخرج أحمد في المسند والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمران بن حصين رضى Q عنه أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له وليس له مال غيرهم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال [ لقد هممت أن لا أصلي عليه ] وفى رواية [ فأقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ] (12) ويؤخذ من هذا الحديث أنه r أمضي الوصية في الثلث فقط وأقرها فيه كما أنه غضب من تصرف هذا الرجل عندما أوصى بكل ماله الذي يملكه وهم الأرقاء الستة ولم يقره عليها بل أقرها في الثلث فقط ، ويؤكد هذا ما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: عادني رسول Q r في مرضٍ ( أشفيت ) (13) منه على الموت ، فقلت يا رسول Q بلغنى ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لى واحدة ، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال لا قال أى: سعد: أفأتصدق بشطره ؟ قال r لا: الثلث ، والثلث كثير ؛ إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ] (14) .
ومن هذه الآيات والأحاديث التي أوردناها نتبين أن الله سبحانه وتعالي ينهى عن الإسراف والتبذير فيما هو مباح ، وكذلك ينهى الرسول r فيما هو مباح من الأكل والشرب والتصدق ، إذًا فمن باب أولى النهي عن ذلك فيما ليس من المباحات ، بل يتأكد هذا النهي في الأشياء التي لا نفع فيها ، والتي تكون سببًا في ضياع المال ، ووسيلة من وسائل إتلافه فيما لا نفع فيه ، بل يكون فيها من المفاسد والمضار الشيئ الكثير ، ومن بينها بلا ريب المآتم ، يعرف ذلك ويدركه من عنده مسكة من عقل ، ولما كانت المآتم سبيلًا لإتلاف المال وضياعه فيما لا ينفع فهي داخلة في هذه الأمور المنهي عنها بل إن النهي عنها آكد وأبلغ من غيرها والله تعالى أعلم .
الأدلة من السنة