وللإمام النووي كلام طيب ذكره في المجموع في شأن المآتم وبيان الحكم الشرعي فيها فقال رحمه Q تعالى '' وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف - يريد به الشيرازي - وسائر الأصحاب على كراهته قالوا - يعني بالجلوس لها - أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم ، فمن صادفهم عزاهم ، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها '' (24) ، والجلوس للتعزية مكروه عند الحنفية وقد نص على ذلك ابن الهمام في شرح الهداية فقال: '' وهي بدعة قبيحة '' (25) ، وقد نص على كراهة ذلك الإمام أحمد ، وهو مذهب الحنابلة ، قال أبو الخطاب '' يكره الجلوس للتعزية '' وقال ابن عقيل: '' يكره الاجتماع بعد خروج الروح '' لأن فيه تهييجًا للحزن ، وقال الإمام أحمد: '' أكره التعزية عند القبر إلا لمن لم يعز فيعزي إذا دفن الميت أو قبل أن يدفن '' (26) ، ومعنى كلام الإمام أحمد رحمه Q تعالي والمقصود منه أن التعزية تكون قبل الدفن فإن لم يدرك ذلك ويعزى قبل الدفن فإنه يعزي بعد الدفن ، ولا يفوتنا أن ننبه هنا إلي أن المقصود بلفظ ( الكراهة ) فى كلام الأئمة السابق الذي نقلناه عنهم - المقصود بكلمة ( الكراهة ) الواردة في ذلك أنها كراهة التحريم ، لا كراهة التنزيه كما يفهم البعض ، وذلك هو المناسب لسياق الكلام والمناسب أيضًا لحال الحكم الصادر ، فإن هذه الحال هي التحريم ، فإن الجلوس للعزاء هو من النياحة ، ومن أعمال الجاهلية كما ورد ذلك في حديث جرير بن عبد الله البجلي ، والنياحة محرمة ، وأعمال الجاهلية التي نهي عنها الإسلام ولم يقرها محرمة أيضًا ، ومما يدل علي تحريم النياحة وأعمال الجاهلية ودعاواهاما أخرجه البخاري ومسلم بسنديهما عن عبد الله بن مسعود رضى Q عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ليس منا من ضرب الخدود أوشق الجيوب أو دعا بدعوى أهل الجاهلية ] (27) ، فالحديث يدل علي تحريم النياحة ، ودعوى الجاهلية ، ويؤكد هذا ما ذكره ابن حجر عند شرح هذا الحديث حيث قال رحمه الله تعالى: '' وهذا يدل علي تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره '' (28) .
ومما يدل علي ذلك على أن المراد بكلمة ( الكراهة ) ومشتقاتها إنما هو التحريم - مما يدل على ذلك إطلاقها في مواضع كثيرة من القرآن على ما هو من الكبائر المحرمة ، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالي كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا { (29) واسم الإشارة في الآية المذكورة يعود على ما سبق وتقدم ذكره في الآيات التي تقدمت هذه الآية المذكورة بدءًا من قوله سبحانه وتعالي } وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا { (30) إلى قوله سبحانه وتعالي } كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا { وقد ذكر في هذه الآيات الكثير من الكبائر المحرمة قطعًا وبلا أدنى ريب ، مثل الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، والتبذير وقتل الأولاد خشية الفقر ، والزنا ، وقتل النفس التي حرم Q تعالي بغير حق ، وتطفيف المكيال والميزان ، وعدم الوفاء بالوعد والعهد ، وأكل مال اليتيم ، والتقوِّل علي Q تعالي بغير علم ، والكبر ، وغير ذلك مما ذكره Q تعالي في هذه الآيات ، ثم أطلق لفظ الكراهة علي كل ما ذكره فالكراهة في هذا السياق مقصود بها التحريم ، إذًا فالأئمة رحمهم Q تعالى عندما أطلقوا لفظ الكراهة على المآتم كانوا يريدون منه ويقصدون به التحريم وذلك كي يتفق هذا مع الأحاديث الواردة في النهي عن المآتم ، ولقد نهج الأئمة هذا النهج في إطلاق لفظ الكراهة وإرادة التحريم منه نهجوا ذلك تأثرًا بأسلوب القرآن الكريم الذي أطلق عليه لفظ الكراهة وإرادة التحريم منه وللإشارة إلى أن Q سبحانه يريد تنفير الناس من هذه الأمور التي وصفها بالكراهة ، فإن Q سبحانه وتعالى فصل عن تحريمه لهذه الأشياء المذكورة في الآيات من سورة الإسراء فإنه سبحانه يبغضها ويسخطها ، ويبغض ويسخط من يرتكبها ، وذلك مبالغة في التنفير منها والابتعاد عنها ، ويشير إلي ذلك العلامة أبو السعود رحمه Q تعالي فيقول: '' } كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا أي: مبغضًا غير مرضي وغير مراد ، ووصف ذلك بمطلق الكراهة مع أن البعض من الكبائر للإيذان بأن مجرد الكراهة عنه تعالى كافية في وجوب الانتهاء عن ذلك '' (31) .
وكما كان لرسول Q ولأصحابه رضى الله عنهم أجمعين - كما كان لهم موقف من المآتم والذي هو التحريم كما بينا ذلك - ومعهم أئمة المذاهب فإن فريقًا من العلماء المتأخرين ممن سلك ونهج منهج السلف لهم من ذلك نفس الموقف وهو التحريم ، وكان الواحد منهم يذكر ذلك بلفظ الكراهة ، ينقل هذا الكلام ويكتب قبل كلام الشوكاني يذكر ذلك بلفظ الكراهة ويراد به التحريم ومن هؤلاء العلامة ابن القيم رحمه الله إذ يقول: '' ولم يكن من هديه r أن يجتمع للعزاء ، ويقرأ له القرآن لا عند قبره ولا غيره ، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة وكان من هديه r السكون والرضا بقضاء Q والحمد لله والاسترجاع ، ويتبرأ ممن خرق لأجل المصيبة ثيابه ، أو رفع صوته بالندب والنياحة أو حلق لها شعره ، وكان من هديه r أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس بل أمر أن يصنع الناس لهم طعامًا يرسلونه إليهم ، وهو من أعظم مكارم الأخلاق والشيم (32) .
ومنهم العلامة الشوكاني فقد قال رحمه Q تعالي عند شرح حديث جرير بن عبد الله البجلي:"يعني أنهم كان يعدون الاجتماع عند أهل الميت بعد دفنه وأكل الطعام عندهم نوعًا من النياحة لما في ذلك من التثقيل عليهم وشغلهم مع ما هم فيه من شغل الخاطر بموت الميت وما هم فيه من مخالفة السنة ، لأنهم مأمورون بأن يصنعوا لأهل الميت طعامًا فخالفوا ذلك وكلفوهم صنعة الطعام لغيرهم (33) ."
ولا يخفى على أحد أن مقصود كل من ابن القيم والشوكاني بكلمة ( مكروه ) إنما هو كراهة التحريم ، وقد صرح بذلك المباركفورى صاحب تحفة الأحوذى شرح جامع الترمذي صرح بالتحريم وذلك عند شرح حديث جرير بن عبد الله البجلي فقال نقلًا عن ابن الهمام: '' ويكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة '' ثم قال نقلًا عن القارى: '' واصطناع أهل الميت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة بل صح عن جرير رضى Q عنه ( كنا نعده من النياحة ) وهو ظاهر في التحريم '' (34) .