فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 788

القرآن الكريم كتاب Q تعالى أنزله Q تعالى ليكون للناس هدى ونورًا وروحًا ورحمه وشفاء ، فهو هدى يهدي به Q تعالى من الضلالة ، ونورًا ينير به القلوب والعقول والقبور ، وهو نور في الدنيا والآخرة ، وهو شفاء يشفي به Q تعالى القلوب من الأمراض ، ويشفي به الأبدان من عللها الظاهرة والباطنة والمعنوية والمادية ، قال سبحانه وتعالى وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا { (45) ، وقد أمرنا Q تعالى بتلاوته ما وسعنا ذلك ، قال سبحانه وتعالى لرسوله r } اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ { (46) .، وقال سبحانه وتعالى آمرًا جميع المسلمين } فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ { (47) وأكد Q تعالى هذا الأمر من نفس الآية مبالغة في الأمر بالقراءة وفي تعهد القرآن والعناية به قال سبحانه وتعالى } فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (48) ولقد أكد r ما جاء في القرآن الكريم من الأمر بقراءة القرآن الكريم فأمر r بقراءته ورغب في ذلك ببيان ما يعده Q سبحانه وتعالى لقارئه من عظيم الأجر وجزيل الثواب والعطاء فقال r [ من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ] (49) .

ومن حديث جندب بن عبد الله أن الرسول r قال [ اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا ] (50) .

ومن حديث عثمان بن عفان e أن رسول Q r قال [ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ] (51) .

ولقد عني المسلمون قديمًا وحديثًا بكتاب Q تعالى تلاوة ، وحفظًا ، ودراسة ، وتعلىما ، وتعلمًا ، وعملًا ، ولا سيما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضى Q عنهم جميعًا ، فليس لهم نظير في العناية بكتاب Q تعالى ، بيد أن الكثير ممن جاء بعدهم قد هجروا العمل بكتاب Q تعالى خصوصًا في العصور المتأخرة ، تلك التي استحوذ على الناس فيها الشح والحرص والتنافس على الدنيا والكثير من هؤلاء حفظ القرآن للمتاجرة به فاستكثروا وتآكلوا واسترزقوا به بما يتقاضونه على تلاوته من الأجور قليلة كانت أو كثيرة هذه الأجور ، وقد غفل هؤلاء عما قاله أهل العلم في أخذ الأجرة على القرآن ، وآداءًا مني لأمانة النصح فإنني آثرت بيان أقوال العلماء في حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن حتى يكون المسلم - ولا سيما قراء القرآن - على بصيرة وعلم بحكم ذلك وحينئذ يحمل كل امرئ تبعة نفسه ، فكل نفس بما كسبت رهينة وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (52) ، وفيما يلي أعرض لأقوال أهل العلم في حكم أخذ الأجرة على القرآن وأقول وبالله التوفيق:-

أقوال العلماء في حكم أخذ الأجرة على القرآن

الأجرة على القرآن إما أن تكون على الرقية ، وإما أن تكون على التعليم ، وإما أن تكون على غير ذلك من القراءة فيما يسمى بالمآتم ، أو على المقابر ، وغير ذلك من صور أخذ الأجرة على القراءة ، وسنعرض للحديث عن ذلك بالتفصيل بحول Q تعالى على النحو الآتي:-

الأجرة على الرقية:-

الرقية كانت معروفة عند العرب في الجاهلية وكانوا يرقون ، كانت لهم رقي ، يرقي بعضهم بعضًا بها من العقرب ، أي من لدغها ، ومن العين ونحو ذلك ، لكن كانت رقاهم في كثير منها مشوبة بكلام فيه من الشرك ما فيه ، ومما يدل على أن الرقية كانت موجودة في الجاهلية حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقي في الجاهلية ، فقلنا يا رسول Q كيف ترى في ذلك ؟ فقال r [ أعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك ] (53) ، فواضح من هذا الحديث أن الرقي كانت موجودة في الجاهلية وأنها كانت مشوبة بالشرك ، وأنهم لما سألوا الرسول r عن الرقي واستمرار العمل بها في الإسلام ، طلب منهم أولًا عرض ما عندهم عليه ليميز لهم الشرك من غيره ، فينهاهم عن الشرك ويقرهم على ما ليس فيه من الشرك شئ مما ينتفع الناس به بإذن Q تعالى ، ودليل ما ذكرت حديث جابر رضي الله عنه أنه قال [ نهى رسول Q r عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول Q إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب ، وإنك نهيت عن الرقي ،قال فعرضوها عليه فقال [ ما أرى بأسًا من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه ] (54) .

ففى هذا الحديث أنه r ينهي عما فيه شرك من الرقى ، وعلى هذا يحمل النهي الوارد في الحديث ، وأنه r يقر من الرقى ما ليس فيه شئ من الشرك بدليل أنهم لما عرضوا عليه ما عندهم من الرقى أقرهم عليه وأباحه قائلًا لهم عندما سمعه [ ما أرى بأسًا ] مقررًا الانتفاع بما ليس فيه شئ من الشرك من الرقي ، وأكد ذلك بما قال في آخر الحديث [ما أرى بأسًا من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه ] (55) .

وهكذا نرى ونتبين من هذه الأحاديث جواز الرقية بما ليس فيه شرك مما كان موجودًا في الجاهلية أي بما أقره رسول Q r مما أخذه هو من كتاب Q تعالى كالفاتحة والمعوذات وغيرها مما فعله وأقر الناس عليه r ، وكذلك بما أثر وثبت عنه من الأذكار والأدعية التي ثبت نسبتها إليه مما صح أو حسن من هذه الآثار ، فكل هذا جائز ومباح ومشروع ما دام النفع ، ويتحقق به الخير لعامة المسلمين ، وسواء أكان ذلك من العين أو النظرة ، أو الحُمَّة ، أو لدغ العقرب ، وما في معناها ، والأحاديث في ذلك كثيرة منها: ففي حديث عائشة عند مسلم قالت ( رخص رسول Q r لأهل بيت من الأنصار في الرقية من كل ذى حمة ) (56) . ، وفي حديث عائشة رضى الله عنها الآخر أنها قالت ( إن رسول Q r كان يأمرها أن تسترقي من العين ) (57) .

وفي حديث أنس عند مسلم كذلك قال ( رخص الله في الرقية من العين ، والحمة ، والنملة ) (58) .

ويجوز ويصح للمرء أن يرقي نفسه أو يرقيه غيره بما أثر من الرقى ، ودليل ذلك أن رسول Q r كان يرقي نفسه ، فلما اشتد به المرض كانت ترقيه عائشة رضى الله عنها كما جاء عند مسلم من حديثها، فعنها أنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث ، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها ) (59) ، وعند مسلم عنها أنها قالت ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات فلما مرض مرضه الذى مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسح بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدى ) (60) .

إذا كانت الرقى جائزة شرعًا كما سبق بيانه ، فقد اشترط العلماء لذلك شروطًا نعرضها بإذن الله تعالى فنقول:-

شروط الرقية:-

فيما سبق بينا شيوع الرقي لدى العرب في الجاهلية ومعرفتهم بها وممارستهم لها وأنهم كانوا يرقون من العقرب وغيرها من الأمراض الأخرى ، ثم جاء الإسلام وأقر منها ما كان خاليًا من الشرك ، لما فيه من المنافع تعميمًا وتحقيقًا لما فيه من الفوائد والمصالح لعامة الناس ، ولكي يسود خلق التعاون والتراحم بينهم .

وبناءًا على ذلك كله وما أوردناه من الأحاديث الثابتة ما يؤكد ويقرر مشروعيته ، ونود بعد ذلك أن نبين ما ذكره العلماء من الشروط اللازم توفرها وتحققها عند ممارسة الرقية ، وذلك على النحو التالي:

1.أن تكون بالقرآن الكريم كالفاتحة والمعوذات ، أو غيرها مما بينه الرسول r وأقر الناس عليه .

2.أن تكون بأسماء Q وصفاته مما بينه الرسول r وأثر عنه من ذلك ، مما تثبت نسبته إليه صحة أو حسنًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت