فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 788

ذكرنا فيما سبق عند الحديث عن الأجرة على الرقية اتفاق الأئمةعلى جواز إعطاء وأخذ الأجرة على الرقية بالقرآن الكريم ، وأنه لا حرج في ذلك ، لا على المعطي ولاعلى الآخذ ، وإنما الخلاف وقع فقط في أخذ الأجرة على التعليم ، فمنعها أبو حنيفة ، وأجازها الباقون من الأئمة ، ومعهم فريق من علماء الحديث من السلف ، ومن بعدهم ، وسنبين هذا فيما بعد ، ولقد ذكر الإمام النووى خلاف الأئمة هذا في الأجرة على التعليم مبينًا أن أبا حنيفة وأصحابه قد منعوا ذلك ، وأجازه باقي الأئمة ، ذكر ذلك في سياق كلامه عن الأجرة على الرقية فقال رحمه الله تعالى: '' ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن وأجازها في الرقية '' (65) .

وكذلك ذكر ابن حجر رأي الحنفية في منع الأجرة على التعليم فقال رحمه الله تعالى في سياق حديثه عن الأجرةعلى التعليم: '' وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقى كالدواء ، ثم ذكر ابن حجر تعليل الحنفية لمنع الأجرة على التعليم فقال: '' قالوا لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله '' (66) .

وقد استدل الحنفية بمنع الأجرةعلى التعليم وعدم جواز ذلك ، استدلوا على هذا بأحاديث رويت عن الرسول r بالنهي عن أخذ الأجرة على القرآن وبعض هذه الأحاديث نص على التعليم ، وبعضها الآخر جاء بلفظ وصيغة التعميم ، وهذه الأحاديث هي:-

1.حديث عبد الرحمن بن شبل في كتاب معاوية إليه ، بأن يعلم الناس ما سمع من رسول Q r ، فجمعهم ابن شبل فقال: '' إني سمعت رسول Q r يقول [ تعلموا القرآن ، فإذا علمتموه فلا تغلوا فيه ، ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ] الحديث رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني ، وأخرجه الهيثمي في المجمع وعزاه إلى هؤلاء ووثق رجاله بما يدل على صحته فقال: '' رواه أحمد وأبو يعلى باختصار والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات (67) ، وأخرجه الهيثمي أيضًا في كتاب التفسير من حديث ابن شبل ولفظه [ اقرأوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ] (68) ، ووثق الهيثمي أيضًا رجال سند هذا الحديث في هذه الرواية مما يدل على صحته أوعلى الأقل على حسنه ولا يقل أبدًا عن مرتبة الحسن مما يجعله صالحًا للاحتجاج به في الحلال والحرام كما قال علماء الحديث .

2.حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [ من يأخذ على تعليم القرآن قوسًا قلده الله قوسًا من نار ] الحديث أخرجه الهيثمي في المجمع وعزاه إلي الطبراني وأشار إلي تصحيحه ، إذ أخبر أن رجاله رجال الصحيح ، فقال ( رواه الطبراني في الكبير من طريق يحيي بن عبد العزيز ، عن الوليد بن مسلم ، ولم أجد من ذكره وليس هو في الضعفاء ، ورجاله رجال الصحيح ) (69) . أ.هـ

3.حديث المثنى بن وائل قال ، أتيت عبد الله بن بشر فمسح رأسي ، ووضعت يدي على ذراعه فسأله رجل عن أجر المعلم فقال: ( دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل متنكب قوسًا فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما أجود قوسك ، اشتريتها ؟ قال: لا ، ولكن أهداها إلي رجل أقرأت ابنه القرآن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فتحب أن يقلدك الله قوسًا من النار ؟ قال لا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم [ فردوها ] أخرجه الهيثمي وعزاه للطبراني ووثق رجاله مما يدل على أنه صحيح أو حسن يصلح للاحتجاج ، فقال: رواه الطبراني في الكبير ، والمثنى وولده ذكرهما ابن أبي حاتم ، ولم يجرح واحدًا منهما ، وبقية رجاله ثقات ''(70) .

4.حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت وهو عند ابن ماجة وأبي داودٍ ، عَنْه رضي الله عنه قَالَ: عَلَّمْتُ ناَسًَا مَنْ أَهْلِ الصّفَّه الْقُرْآن وِالْكِتَابَةَ. فَأَهْدَى إِلَى رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا. فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمالٍ. وأَرْمِى عليهاَ فِي سَبِيلِ اللّهِ. فَسأَلْتُ رَسُولُ اللّهِ صلى اللّه عليه وسلم عَنْهْا. فقال: ( إِن سَرَّكَ أَن تُطَوَّقَ بِهاَ طَوْقًا مِنْ نارِ فاقْبَلهْاَ ) (71) .

5-حديث أبي بن كعب وهو عند ابن ماجة كذلك وهو مما انفرد به عن أبي رضى الله عنه: ( عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: عَلَّمْتُ رَجُلًا الْقُرْآنَ فَأَهْدَى إِلّيَّ قَوْسًا فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:( إِنْ أَخَذْتَهَا أَخّذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ ) (72) قَالَ كَعْبٍ فَرَدَدْتُها .

وذكر السندي في شرحه على سنن ابن ماجه أن أبا حنيفة استدل بحديث عبادة بن الصامت على تحريم أخذ الأجرة على القرآن فقال في سياق شرحه لهذا الحديث قوله: '' ( إِن سَرَّكَ 000 الخ ) دليل لمن يحرم أخذ الأجرة على القرآن ويكرهه وهو مذهب أبي حنيفة '' (73) .

لكن السندي ناقش ذلك مبينًا أن الاستدلال من هذا الحديث على التحريم لا يستقيم وسنبين ذلك فيما بعد .

ولقد رد الحنفيةعلى حديث ابن عباس ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ) بأنه في الرقية ، وهذا صحيح .

لكن الأحاديث الأخرى التي استدلوا بهاعلىالتحريم وعدم جواز الأجرةعلى التعليم لا تسلم لهم وسنبين ذلك فيما بعد ، وهي تصلح لهم ولغيرهم في تحريم الأجرة على القرآن في غير الرقية والتعليم ، أي: في المآتم وغيرها .

ونخلص من هذا أن الحنفية يمنعون الأجرةعلىالتعليم ويحرمون ذلك ، وهي عندهم مكروهة كراهة تحريم كما ذكر السندي ، لكن المتأخرين منهم يرخصون في ذلك وسيأتي لذلك مزيد بيان عند الحديث عن جواز الأجرة على التعليم عند من يجوزون ذلك والله أعلم .

قول المجوِّزين:-

بيَّنا فيما سبق قول من يمنع الأجرة على تعليم القرآن وهو أبو حنيفة كما ذكر النووى ، وابن حجر والسندي ، وذكرنا أدلته ، ونود بعد ذلك أن نذكر ونبين قول من يجوِّّز ذلك ، ولقد سبق أن أشرنا إلي هذا عند الحديث عن جواز الأجرة على الرقية .

والذين يجوزون الأجرة على التعليم بالإضافة إلى الرقية - الذين يجوزون ذلك هم: المالكية والشافعية والحنابلة ، ذكر ذلك النووي ، وابن حجر ، وقال النووي في شرح حديث أبي سعيد: '' هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر ، وأنها حلال لا كراهة فيها ، وكذا الأجرة على تعليم القرآن ، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وآخرين من السلف ، ومن بعدهم '' ، وذكر مثل هذا ابن حجر وذكرناه عند الحديث عن الرقية ، وكذلك رخص في الأجرة علي التعليم المتأخرون من الحنفية ، ذكر ذلك السندي فقال عند شرح حديث عبادة بن الصامت ( إِن سَرَّكَ 000 الخ ) دليل لمن يحرم الأجرة على القرآن ويكرهه ، وهو مذهب أبي حنيفة ، ورخص فيه المتأخرون من أهل مذهبه '' .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت