الصانع، وعظيم القدرة؛ لأنه لا بد لكل متغير من مغير. وهو سبحانه لم يجعل الليل والنهار على هذه الصورة- بحيث يخلف أحدهما الآخر- عبثا، وإنما جعلهما كذلك لمن أراد أن يتذكر أي"لينظر في اختلافهما الناظر، فيعلم أن لا بد لانتقالهما من حال إلى حال، وتغيرهما من ناقل ومغير" (1) كما يلحظ في الآية الكريمة تخصيص الليل والنهار بأنهما آيتان دون غيرهما من الوحدات الزمنية. وفي ذلك لطيفة قرآنية نلمح من خلالها الإشارة إلى أن الليل والنهار هما بمثابة المحور الذي تشد إليه وتقاس بالنسبة له كل الوحدات الزمنية، سواء تلك التي تقل عنه ابتداء من الثانية، أو تلك التي تزيد عنه إلى ما شاء الله تعالى من السنين والقرون، فما الثانية إلا جزء من الليل والنهار، والسنة إلا مجموعة من الأيام، والقرن إلا مجموعة من السنين (2) .
3 -الإشارات القرآنية إلى قيمة الزمن
وفي القرآن الكريم إشارات لطيفة إلى قيمة الزمن وأهميته في حياة الإنسان، وحض على الاستفادة منه بعيدا عن الغفلة
(1) انظر: الزمخشري: الكشاف، ج 3، ص 282 .
(2) انظر: باجودة، حسن: تأملات في سورة الإسراء، ص 84 .
والتسويف، وما كلمات"استبقوا"و"سارعوا"ونحوها إلا تأكيد لهذه المعاني.
قال تعالى: { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (1) وأصل السبق: هو التقدم في السير. والمراد منه هنا المعنى المجازي، وهو الحرص على مصادفة الخير والإكثار منه، خشية هادم اللذات، وفجأة الفوات (2) .
وقال تعالى: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } (3) والمسارعة: هي المبادرة أي الحرص والمنافسة في عمل الطاعات التي هي سبب المغفرة ودخول الجنة، حتى لكان كل واحد من الناس يسرع ليصل قبل غيره (4) .
وفي لفظتي"استبقوا"و"سارعوا"ما يشير إلى قيمة الزمن ؛ فالعمر قصير، ولا يكفي المؤمن -إذا أراد الدرجات العلى- أن يفعل الخيرات وهو متراخ في ذلك، بل لا بد من الاستباق في الخير والمسارعة إلى المغفرة، بمعنى: أن يستغل كل لحظة من وقته للسير في
(1) سورة البقرة الآية 148
(2) انظر: ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 2، ص 43 .
(3) سورة آل عمران الآية 133
(4) انظر: ابن عطية: المحرر الوجيز، ج 1، ص 507. ابن عاشور: التحرير والتنوير، 4، ص 88 .
الطريق الموصلة إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وكأنه في صراع حقيقي مع الزمن.
4 -الدعوة إلى استثمار الزمن في الخير
من منهج القرآن الكريم في العناية بالزمن، الدعوة إلى الحرص عليه، والعمل على استثماره والإفادة منه، وتسخيره دائما في الخير، ويبرز القرآن الكريم هذه القضية في صور عديدة ومناسبات شتى.
فحينما يبين أن نهاية هذه الحياة إنما هو الموت سواء طالت أم قصرت، فإنه يوجه نحو استثمار هذه الحياة في الخير؛ لأنها ليست نهاية المطاف، وإنما بعدها حياة أخرى هي خير وأبقى، يقول سبحانه: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } (1) { وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ } (2) .
وللتدليل على قصر هذه الحياة الدنيا وأهمية استثمارها والإفادة منها، يصورها القرآن الكريم بالنبات الذي يخضر بنزول الغيث، ثم ما يلبث بعد وجيزة من الزمن أن يصفر ويموت. يقول تعالى: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } (3) .
(1) سورة المنافقون الآية 9
(2) سورة المنافقون الآية 10
(3) سورة الحديد الآية 20
لذا ينبه القرآن على ضرورة استثمار هذا الوقت القصير في عمل الخير الذي لن يفيد الإنسان غيره، ولن يبقى معه في قبره سواه، فضلا عن سؤاله وحسابه عن تضييع هذا الوقت، وعما صنعه فيه (1) .
ويعرض القرآن الكريم لنا نماذج لهؤلاء الذين يستغلون وقتهم على أتم وجه ليكون لنا الاقتداء بهم، { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } (2) فهم يستغرقون كل زمانهم في ذكر الله عز وجل والتفكر في خلقه. نستنتج مما سبق أن القرآن الكريم نوه بشرف الزمن وفضله، وفي هذا ما يدعونا إلى ضرورة تقدره بقدره؛ لأن ذلك يساعد على الفلاح ويهم للنجاح، وعلى العكس تماما، فإن إغفال الزمن وعدم إعطائه الأهمية اللازمة، فيه تفريط بهذه النعمة، وتحقيق لتعاسة الإنسان.
(1) انظر: غنايم، محمد ''منهج الإسلام في العناية بالزمن ''، مجلة الجندي المسلم، ص 17 .
(2) سورة آل عمران الآية 191
المبحث الثاني: القسم بالزمن في القرآن الكريم
مما يدل على عظيم أهمية الزمن في القرآن الكريم، قسم الله سبحانه وتعالى به، فهو سبحانه قد أقسم بعدة أمور في كتابه
الكريم، ولا شك أن الله لا يقسم بشيء إلا إذا كان هذا الشيء عظيما، فقد أقسم سبحانه بنفسه ، وبالقرآن (1) ، ونحو ذلك من الأمور العظيمة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.
وأقسم القرآن بالزمن سواء بذاته أو بأجزائه، وفي ذلك"تنبيه على أنه آية كبرى من آيات الله، وتنبيه على عظم نفعه ووجوب استغلاله، والإفادة من كل أجزائه".
ففي القسم بالزمن قال الله تعالى: { وَالْعَصْرِ } (2) { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } (3) ، كما أقسم سبحانه بأجزاء الزمان وهي: الفجر، والصبح، والضحى، والشفق، والنهار، والليل، والليالي العشر، ويوم القيامة، والعمر، على ما سأبينه بعد قليل إن شاء الله.
وفي القسم بهذه الوحدات الزمنية تنبيه على الاعتبار بها في الاستدلال على حكمة نظام الله في هذا الكون وبديع قدرته (4) .
(1) قال تعالى: {ق والقرءان المجيد} سورة ق، الآية 1 .
(2) سورة العصر الآية 1
(3) سورة العصر الآية 2
(4) ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 30، ص 387 .
ولهذا سلك طائفة من العلماء طريق الاستدلال بالزمن على الصانع، وهو كما يقول ابن القيم:"استدلال صحيح قد نبه عليه القرآن في غير موضع (1) ."
ومما يدل على ذلك إلقاء نظرة على السور القرآنية التي أقسم الله فيها بالزمن ووحداته، عندها سنجد أنها سور مكية، والسور المكية -كما نعلم- تركز على العقيدة بشكل خاص، ومن ذلك الاستدلال على وجود الخالق، ومن هنا جاء القسم بالزمن في السور المكية من أجل لفت الأنظار إليه باعتباره دليلا واضحا، وبرهانا قاطعا، على وجود الخالق، وعلى بديع حكمته سبحانه في هذا الكون.
وأستعرض فيما يلي المواضع إلى أقسم فيها سبحانه بالزمن وأجزائه في القرآن الكريم:
(1) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، ص 40 .
أولا: القسم بالعصر