فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 788

أقسم سبحانه وتعالى بالعصر في السورة التي سميت باسمه، فقال: { وَالْعَصْرِ } (1) { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } (2) { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } (3) هذه السورة وبالرغم من قلة عدد كلماتها، إلا أنها تمثل منهجا كاملا

(1) سورة العصر الآية 1

(2) سورة العصر الآية 2

(3) سورة العصر الآية 3

للحياة البشرية كما يريدها الإسلام.

واختلف المفسرون في معنى"العصر"المقسم به في السورة على أقوال:

الأول: أنه الدهر أو الزمن، قال الراغب:"والعصر والعصر: الدهر، والجمع: العصور"، ومثل على أن العصر معناه الدهر بسورة العصر (1) . وقال ابن كثير:"العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر" (2) .

الثاني: أنه أقسم بزمان الرسول صلى الله عليه وسلم، أو بزمان الرسالة، فيكون المقسم به هو العصر الذي فيه هذا الرسول أو هذه الرسالة لشرفه.

الثالث: أن المراد به صلاة العصر أو وقتها، أقسم سبحانه بها لفضلها، وقيل: هي المرادة بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى } (3) .

الرابع: أن العصر هو أحد طرفي النهار.

والراجح مما سبق -كما يبدو لي- أن يكون المراد بالعصر

(1) الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص 569 .

(2) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 582.

(3) سورة البقرة الآية 238

هو الزمن كله، وصرح ابن القيم بأن ذلك هو قول المفسرين (1) . وهذا المعنى معروف في شعر العرب، ومنه قول العجاج:

والعصر قبل هذه العصور ... مجرسات غرة الغرير (2)

ثم إن لفظ (العصر) عام، وليس هناك ما يخصص ما شمله هذا الاسم من المعاني، فإذا قلت بأنه الزمن ؛ فذلك يشمل صلاة العصر ووقتها، وعصر الرسول والرسالة، وطرفي النهار، فيكون القسم به على عمومه داخل فيه هذه الأمور، فالأولى إذا حمل اللفظ على عمومه.

وعلى هذا يكون سر قسمه سبحانه بالعصر أو الزمن، نابع من العبرة والآية في هذا الزمن، والمتمثلة في مرور الليل والنهار، وتعاقبهما، على هذا الترتيب الدقيق، والنظام المحكم، واعتدالهما تارة، وأخذ أحدهما من صاحبه تارة أخرى، واختلافهما في الضوء والظلام، والحر والبرد، وانتشار الحيوان وسكونه، ثم إن انقسام الزمن إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات ودونها، آية من آيات الله تعالى، وبرهان من براهين قدرته وحكمته (3) .

(1) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، ص 114 .

(2) العجاج: ديوان العجاج، ص 223. مجرسات: مجربات. انظر: تحقيق عزة حسن لديوان العجاج، ص 223 .

(3) انظر: ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، ص 114، 115 .

ثانيا: القسم بالفجر

كما أقسم سبحانه بالفجر في السورة التي سميت باسمه كذلك،

فقال: { وَالْفَجْرِ } (1) { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } (2) والفجر في اللغة: هو شق الشيء شقا واسعا، ومنه قيل للصبح فجر لكونه فجر الليل (3) واختلف في تحديد المراد بالفجر هنا:

-فقيل: هو الصبح أو الفجر المعروف. وسمي فجرا لكونه وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم.

-وقيل: أريد به فجر مخصوص، وهو فجر يوم النحر. وهو أفضل الأيام عند الله كما جاء في الحديث: « أفضل الأيام عند الله يوم النحر » (4) ، أو فجر ذي الحجة؛ لأن الله قرن الأيام به فقال: { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } (5) .

-وقيل: عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه، وفيها حياة الخلق. وهذا القول مبني على أصل المعنى اللغوي، وهو ضعيف ؛ إذ لا دليل عليه.

والذي أراه راجحا من هذه الأقوال هو المعنى الأول؟ أي أن

(1) سورة الفجر الآية 1

(2) سورة الفجر الآية 2

(3) الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص 562 .

(4) رواه البيهقي. انظر: البيهقي: سنن البيهقي الكبرى، حديث رقم 994، ج 5، ص 237 .

(5) سورة الفجر الآية 2

الفجر هو الصبح المعروف لدينا، وهذا المعنى أولى بالاعتبار؛ لأنه يشمل فجر يوم النحر ، وفجر ذي الحجة، وصلاة الفجر، فالأولى حمل اللفظ على عمومه لعدم وجود مخصص.

يدل على ذلك تعريف (الفجر) ففي ذلك -كما يقول ابن القيم:"ما يدل على شهرته وأنه الفجر الذي يعرفه كل واحد ولا يجهله" (1) .

وأما السر في القسم بالفجر فهو ما يحصل في انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات من الطير والوحوش في طلب الأرزاق، من مشاكلة نشور الموتى من قبورهم، وفي ذلك عبرة لمن تأمل (2) .

(1) ابن القيم: التبيان في أقسام القرآن، ص 54 .

(2) انظر: الرازى: التفسير الكبير، ج 11، ص 148 .

ثالثا: القسم بالصبح

أقسم الله سبحانه بالصبح في موضعين، الأول هو قوله تعالى: { وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } (1) ، والثاني قوله: { وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } (2) .

ويلحظ فيهما أن القسم بالصبح جاء مقيدا بحال إسفاره

(1) سورة المدثر الآية 34

(2) سورة التكوير الآية 18

وحال تنفسه. فما المراد بهذين القيدين وما سر التقييد بهما؟

قال ابن فارس:"السين والفاء والراء أصل واحد يدل على الانكشاف والجلاء". ومن ذلك السفر سمي بذلك؛ لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم، أو لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيا منها. ومنه قوله تعالى: { وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } (1) بمعنى أضاء وانكشف الظلام (2) .

أما التنفس فهو في الحقيقة خروج النفس من الحيوان والإنسان، ولكنه استعير هنا لظهور الضياء من خلال الظلام، على تشبيه خروج الضياء بخروج النفس، على طريق الاستعارة المصرحة. أو لأنه إذا بدا الصباح أقبل معه نسيم فجعل ذلك كالتنفس له على طريق الاستعارة المكنية ؛ بتشبيه الصبح بذي نفس، مع تشبيه النسيم بالأنفاس (3) .

وأما الحكمة من القسم بالصبح فهي ما أشرت إليه آنفا في"القسم بالفجر"من مشابهة خروج الضوء من الظلام، بالنشور بعد الموت.

(1) سورة المدثر الآية 34

(2) ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، مادة (سفر) ، ج 3، 82 .

(3) الزمخشري: الكشاف، ج 4، ص 697. ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 30، ص 154.

رابعا: القسم بالضحى

يقال في اللغة: الضحو والضحوة والضحية، وتعني: ارتفاع

النهار. ويطلق الضحى ويراد به الوقت من طلوع الشمس إلى أن يرتفع النهار وتبيض الشمس (1) .

وأقسم سبحانه وتعالى به فقال: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } (2) وقال: { وَالضُّحَى } (3) ، ولأهل التفسير في المراد بالضحى في قوله: ( { وَالضُّحَى } (4) ) (5) وجهان (6) :

الأول: أن المراد به وقت الضحى، والذي يمتد من طلوع الشمس إلى ارتفاع النهار كما أشرت سابقا.

الثاني: أنه يعني النهار كله. واحتج أصحاب هذا الوجه بأن الضحى جعل في مقابلة الليل كله.

والصحيح هو المعنى الأول، وهو ما يراه الأكثرون على ما ذكره النيسابوري في"غرائب القرآن" (7) .

أما القول بأنه يعني النهار كله، فغير وجيه. والاحتجاج على

(1) ابن منظور: لسان العرب، مادة (ضحا) ، ج 14، ص 474، 475 .

(2) سورة الشمس الآية 1

(3) سورة الضحى الآية 1

(4) سورة الضحى الآية 1

(5) انظرهما في: الطبري: جامع البيان، ج 30، ص 273. الرازي: التفسير الكبير، ج11 ، ص 190 .

(6) انظرهما في الطبري: جامع البيان، ج 30، ص 273، الرازي: التفسير الكبير، ج11، ص 190 .

(7) انظر: النيسابوري: غرائب القرآن، ج 6، ص 514 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت