ذلك بأنه جعل في مقابلة الليل كله لا يصح، وذلك لأنه إنما جعل في مقابلة الليل في حال سجوه ؛ أي في حال استقرار الظلام وسكون الليل والناس فيه، ولا ريب أن سجو الليل هو جزء من الليل لا كله، فهو بمنزلة الضحى من النهار. ويمكن الاستئناس في ذلك بوقت صلاة الضحى، فإن وقتها لا يكون بعد الزوال، مما يؤكد ضعف القول بأن الضحى يمتد ليشمل النهار كله.
أما قوله: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } (1) ، فمن المفسرين من قال بأن ضحاها هو ضوؤها. وقال بعضهم: حرها. وقال آخرون: النهار كله .
والذي أراه راجحا أن يكون المقسم به هو وقت الضحى كذلك. أما القول بأن المراد به النهار كله، فقد بينت ضعفه. وأما القول بأن"ضحاها"يعني: ضوؤها أو حرها، فهما أمران متلازمان، فمتى اشتد حرها، فقد اشتد ضوؤها وبالعكس. وهذان المعنيان موجودان في وقت الضحى، حيث ضوء الشمس وحرها، فيكون ما ذهبت إليه هو الأولى.
أما مناسبة القسم بالضحى في هذا السياق، فيظهر فيها رونقا
(1) سورة الشمس الآية 1
في الأسلوب وجلالة في المعنى؛ لأن في ذلك مطابقة بين نور الضحى ونور الوحي، فنور الضحى جاء بعد ظلام الليل، ونور الوحي جاء بعد احتباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال أعداؤه: قلى محمدا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل، على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه، ثم إن فالق ظلمة الليل بضوء النهار، هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة (1) .
(1) انظر: ابن القيم، التبيان في أقسام القرآن، ص 100 .
خامسا: القسم بالشفق
قال سبحانه في القسم بالشفق: { فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ } (1) ، ويلحظ هنا أن القسم جاء بصورة مختلفة، حيث سبقه حرف (لا) . فكيف يكون المعنى على هذا النظم؟
قيل: إن لا في السياق الزائدة (2) . والصحيح هو الوقوف ضد القول بزيادة أي حرف في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ لأن ذلك مخل بإعجاز هذا الكتاب، وباب للطعن فيه جملة وتفصيلا.
وقيل بأنها نافية. والذين قالوا ذلك، ذهب بعضهم إلى أنها
(1) سورة الانشقاق الآية 16
(2) انظر: الكلبي: التسهيل في علوم التنزيل، ج 4، ص 163. المحلى والسيوطي: تفسير الجلالين، ص 589.
نافية لكلام محذوف؟ كأنه قال: ليس الأمر كذلك، ثم قال: أقسم (1) . وذهب بعضهم إلى أنها نافية للقسم نفسه، وذلك على أن المطلوب أجل وأوضح من أن نحاول إثباته بالقسم (2) .
وقيل: إن (لا) أصلها لام الابتداء، وأشبعت فتحتها (3) .
والقول الآخر هو الذي رجحه الدكتور فضل عباس (4) ، وهو ما أختاره وأرجحه، وذلك:
1 -لأن هذه قراءة سبعية. كما في قراءة ابن كثير لقوله تعالى: { لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ } (5) فقد قرأها بغير ألف: {لأقسم بيوم القيامة} (6) .
2 -ثم إنه في كلام العرب ما يشهد لإشباع لام الابتداء. ومن ذلك قول عنترة:
ينباع من ذفري غضوب جسرة ... زيافة مثل الفنيق المكدم
(1) انظر: ابن فارس: الصاحبي في فقه اللغة، ص 170 الشنقيطي: أضواء البيان، 8، ص 634 .
(2) الرازي: التفسير الكبير، ج 15، ص 720 .
(3) الشنقيطي: أضواء البيان، ج 8، ص 634 .
(4) عباس، فضل: لطائف المنان، ص 244 .
(5) سورة القيامة الآية 1
(6) انظر: ابن خالويه: الحجة في القراءات السبع، ص 356 .
قوله: ينباع، من نبع ينبع، ثم أشبعت الفتحة فصارت ألفا.
والشفق: هو الحمرة التي تكون في الأفق وقت الغروب. قال الراغب:"الشفق اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس" (1) .
والقول بأن الشفق يعني الحمرة، هو قول عامة الفقهاء، وبزواله يخرج وقت المغرب، ويدخل وقت العشاء. إلا ما روي عن أبي حنيفة -رحمه الله- في إحدى الروايتين أنه البياض، وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه (2) وأصل الشفق في اللغة أنه يدل على رقة في الشيء. ومنه الشفق على الإنسان بمعنى رقة القلب عليه. والشفق من الثياب: الرقيق والرديء منها (3) .
أما تسمية الحمرة شفقا فلأن الضوء يأخذ في الرقة والضعف عند مغيب الشمس إلى أن يستولي سواد الليل على الآفاق كلها (4) .
(1) الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص 458 .
(2) الزمخشري: الكشاف، ج 4، ص 714 .
(3) ابن منظور: لسان العرب، مادة (شفق) ، ج 10، ص 180 الزمخشري: الكشاف، ج 4، ص 714 .
(4) الرازى: التفسير الكبير، ج 11، ص101 البرسومي: روح البيان، ج 10 ، ص 380 .
وأما حكمة القسم به فهي: أن في ذكر الشفق إيماء إلى أنه يشبه حالة انتهاء الدنيا؛ لأن غروب الشمس مثل الموت (1) .
(1) ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج 30، ص 226 .
سادسا: القسم بالنهار
وأقسم سبحانه بالنهار في موضعين من كتابه الكريم، الأول في سورة الشمس ؛ فقال: { وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا } (1) والثاني في سورة الليل فقال: { وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى } (2) .
قوله:"تجلى"بمعنى ظهر وبان، نقول: تجلى الشيء بمعنى انكشف، ومنه الجلي: وهو الواضح (3) .
والضمير المؤنث في قوله:"جلاها"ظاهره أنه عائد على الشمس، بمعنى أن الشمس تظهر وتنجلي إذا انبسط النهار. وعليه، فإن إسناد"جلى"إلى ضمير النهار من قبيل إسناد الفعل إلى زمانه، وذلك لأن ظهور الشمس يقع زمن انبساط النهار، وليس الانبساط هو المجلي لها (4) .
وقيل بأن الضمير المؤنث يعود على الأرض. وقيل: على
(1) سورة الشمس الآية 3
(2) سورة الليل الآية 2
(3) رضا، أحمد: معجم متن اللغة، مادة (جلي) ، ص 562 .
(4) انظر: الألوسي: روح المعاني، ج 30، ص 141 .
الدنيا. وقيل: يعود على الظلمة (1) .
والقول بأنه عائد على الشمس هو الأولى بالاعتبار وذلك لأن سياق الآيات في السورة: { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } (2) { وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا } (3) { وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا } (4) .
ويلحظ في كلا الموضعين اللذين أقسم الله فيهما بالنهار، أن القسم بالنهار جاء مقرونا بحال التجلي وذلك كما قال ابن عاشور:"إدماجا للمنة في القسم" (5) فالله سبحانه أقسم بالنهار في زمن تجليته حيث ينكشف ما كان مستورا بظلمة الليل، فيتحرك الناس لمعاشهم، وتخرج الطيور من أوكارها، والهوام من مكامنها (6) .
وهناك ملاحظة أخرى حري بنا أن نقف عندها، وهي: أن القسم بالنهار في سورة الليل، جاء بعد القسم بالليل: { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى } (7) { وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى } (8) ، بينما في سورة الشمس جاء القسم
(1) انظر: المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة. الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج20، ص 296 .
(2) سورة الشمس الآية 1
(3) سورة الشمس الآية 2
(4) سورة الشمس الآية 3
(5) ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج30، ص 367.
(6) انظر: الرازي: التفسير الكبير، ج 11، ص 188. الصاوي: حاشية الصاوي على الجلاين، ج 4، ص 323 .
(7) سورة الليل الآية 1
(8) سورة الليل الآية 2
بالنهار أولا: { وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا } (1) { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا } (2) ، فما الحكمة من ذلك؟
يستحيل بأي حال أن يأتي حرف واحد في هذا الكتاب المعجز في غير موقعه اللائق به، وإنه ليلمس في هذا التقديم والتأخير لطيفة، هي من بدائع هذا القرآن العظيم، وهي: أن سورة الليل نزلت قبل سورة الشمس بمدة، حيث كان الكفر مخيما على الناس إلا القليل منهم، وكان الإسلام قد أخذ في التجلي، فناسب تلك الحالة، تمثيلها بحالة الليل حين يعقبه ظهور النهار (3) .