2 -غياب الرؤية البعيدة والنظر الاستراتيجي العميق للواقع، وعدم دراسة المتغيرات التي تحكمه واتجاهاتها، مما يوقع المجتمعات الإسلامية أمام المفاجآت، ويحرمها من التنبؤ المسبق بالمشكلات، ومن ثم الإعداد لها ومواجهتها، وذلك واجب ينبغي أن يقوم بأعبائه الدعاة إلى الله عز وجل.
3 -التسرع في التقويم والحكم على كثير من الجهود الدعوية التي ربما لا تظهر آثارها في الزمن القريب المنظور، وترتب على ذلك اعتبار الابتلاءات التي تصيب الدعوة دلائل فشل وإخفاق، وافتراض ثبات الأوضاع القائمة بكل متغيراتها وظروفها.
إننا اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في طريقة تفكيرنا، وإعطاء الأمور وقتها الذي تستحقه مما يؤمل معه أن تنتقل الدعوة إلى مواقع ومساحات كانت قد حرمت منها، وأن تتسع النظرة ويبعد الأفق.
إننا حين نتأمل شابًا مستجمع القوى والنشاط، يملك قدرات وخبرات، وحيوية وفتوة، ندرك أن عقدين من الزمان كانت على الأقل هي فترة بنائه توافر عليها عوامل ومؤثرات عدة لا يمكن أن ينفرد عامل منها في مسؤولية عن جانب واحد من جوانب شخصيته، فهل نحن نفكر اليوم ولو على الأقل على مدى عقدين من الزمان؟ فليت الذين عمرهم في الصحوة ربما يقصر عن هذه الفترة يدركون أن عمر الأجيال والمجتمعات لا يقارن بعمر الأفراد، فكيف حينها نطالب المجتمعات بنضج في وقت لا ينتظر فيه ربما نضج فرد من الأفراد؟
وواقع المجتمعات الإسلامية اليوم لم يكن نتاج قفزة هائلة إنما هو نتاج عوامل عدة أثرت فيه وساهمت مجتمعة في صياغته، يضاف لذلك عشرات من السنين، فكيف يراد إصلاح هذا الواقع في سنيات عدة؟
( [1] ) رواه البخاري (3231) ومسلم (1795)
نهاية الإجازة
الخطبة الأولى
الحمد لله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يقدر الليل والنهار.
وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، النبي المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فاتقوا ربكم يا مسلمون، ولتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله.
هكذا طُويت صفحة من صفحات الزمن، وتساقطت ورقات من شجرة العمر، وذبُلت زهرات في بستان الحياة.
فبمغيب شمس هذا اليوم تودع الإجازة عشاقها، وتقوض خيامها بعد أن انفرط نظامها وتصرّمت أيامها.
مضت الإجازة بخيرها وشرها وحلوها ومرها، مضت أشهر تشكل فصلًا من فصول حياتنا، وكل يوم مضى يدني من الأجل.
مضت الإجازة ومضت معها أيام لم نحسب حسابها، ولم نقدر لها قدرها، واليقين أنها محسوبة من أعمارنا مقربة لآجالنا، وسنسأل عنها أمام ربنا، فالذي لا ينطق عن الهوى قال:"لن تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع"ومنها:"عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه".
مضت الإجازة والناس في استغلالها أصناف شتى، قد علم كل أناس مشربهم، فمنهم من رأى فيها قعودًا عن الجد، وهروبًا من الإنتاج والإيجابية، وآخرون جعلوا منها موسمًا للتحلّل من آداب الإسلام وأحكامه، فملأوها لهوًا ولعبًا، وغناءً وصخبًا بمهرجانات غنائية وحفلات سياحية كانت مفتاحة لباب شرور، ومستنقعًا لكل منكر من القول وزورًا.
وطائفة قد غلت عليهم أنفسهم، وعلت هممهم فسموا بها إلى معالي الأمور، فجعلوا من الإجازة ظرفًا لعملٍ آخر مثمر، وانتقلوا فيها من إيجابية إلى إيجابية، جاعلين نصب أعينهم قول الحق: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ) .
وكل أولئك طويت صفحاتهم اليوم بما تحمل؛ إن خيرًا فخير وإن شرًا فشرّ.
فكم يا ترى في هذه الإجازة من مثاقيل الذر من خير وشر؟!.
وستبقى الصحف مطوية حتى تُنشر يوم الحساب، فماذا يا ترى سيكون الحال يومئذ؟!.
مضت الإجازة وقد شهدت تصارع الهمم، فقوم همتهم في الثريا وآخرون هممهم في الثرى.
ودعت الإجازة وفيها شهدت أروقة بيت الله الحرام أسمى وأروع صور التنافس في بلوغ الهمة العالية والغاية النبيلة، تمثّل ذلك في ثلة من شباب المسلمين ممن رفعوا شعار:"لا مستحيل مع العزم والإصرار".
فأثمرت همّتهم حفظًا لكتاب الله تعالى كاملًا، في زمن أشبه ما يكون بالخيال، حتى إن فتى حفظه وأتقنه في سبعة وعشرين يومًا، وفئة شُغلت بحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم فحفظت الصحيحين في فترة لم تتجاوز الشهرين.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ** وتعظم في عين الصغير صغارها
وتأتي على قدر الكرام المكارم ** وتصغر في عين العظيم العظائم
ولّت الإجازة وقد حوت أحداثًا وعبرًا.
فتأمل أخي المسلم: كم ودعت فيها من حبيب؟! وكم فارقت من قريب؟!.
مات أقوام وولد آخرون، شفي أناس ومرض أناس، واغتنى قوم وافتقر أقوام، وربنا كل يوم هو في شأن.
ونحن نودع الإجازة التي تشكل جزءًا من حياتنا، فما أحرانا أن نتحسر على أيامٍ أضعناها وأوقات تركناها، ذهبت بما حملت، ولننظر في حال السابقين من أسلافنا: كيف ينظرون إلى هذه الأوقات، وماذا عملوا فيها؟!.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"ما ندمت عل شيء ندمي على يومٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي".
وقال أبو سليمان الداراني:"لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى فيه في غير الطاعة لكان خليقًا أن يحزنه ذلك إلى الممات".
فكيف بمن يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله.
إذا مر بي يوم ولم أقتبس هدى ** ولم أستفد علمًا فما ذاك من عمري
والدنيا ثلاثة أيام: أما أمس فقد ذهب بما فيه، وأما غدًا فلعلك لا تدركه، فاليوم لك فاعمل فيه، وكلما ازداد اغتنامًا لزمانه وبالتالي كان أقرب لتلك الغاية وأكثر تحقيقًا بها.
إن الزمن يساوي عطاء الإنسان وحصاد عمره، يساوي اليد التي ستحمل كتابه، يمنى تكون أو يسرى.
أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة ** وهل أنا إلا مثلهم غير أن لي
تمر بي الموتى يهز نعوشها ** بقايا ليال في الزمان أعيشها
أيها المسلمون:
مضت الإجازة، وفيها عمل أناس ونام آخرون!.
فماذا بقي من عناء العاملين، وماذا بقي من لذة النائمين؟!.
مضت الإجازة فكيف قضاها الناس؟!.
أما لو نطق الواقع لقال: إن من الناس من قضاها لحاجة نفسه سفرًا ومتعةً وسياحةً وتنزهًا، والأعظم شأنًا والأرفع قدرًا فئة من العاملين الغيورين قضوا الإجازة في حمل هم الإسلام وأبناء المسلمين.
تراهم في المراكز الصيفية، وفي المخيمات التربوية، وفي الدورات العلمية، والحلقات القرآنية، يسافرون ولكن بأبناء المسلمين، ليربوهم على آداب الإسلام وقيمه، يبذلون ولكن في سبيل تربية الجيل وصلاحه، يفكرون ولكن بما يخدم المجتمع ويحافظ على أجياله، يقضون أوقاتهم ولكن بتعليم القرآن، وتربية الشباب، والمساهمة في الأعمال الخيرية.
هم الرجال وعيبٌ أن يقال لمن لم يكن مثلهم رجل
فلا حرمهم الله أجر العاملين، وعوضهم عن بذلهم جناتٍ ونهر في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
معاشر المسلمين:
ونحن نستقبل في كل عامٍ إجازة ثم نودعها، فما أجدرنا أن نقف مع أنفسنا وقفة معاتبة ومحاسبة، فإن كان ما عملنا خيرًا حمدنا الله عليه، وعزمنا على المزيد فيه، وإن كان سوءًا ندمنا عليه، وسارعنا إلى التوبة منه توبةً صادقة.
لا بد لنا أيها المسلمون من مواقف مع النفس نحاسبها ونعاتبها لنأمن من شرها ونتحكّم في قيادها فـ:"الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني".
أيها المسلمون: