فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 788

وحينما تمضي الإجازة تفتح المدارس أبوابها فتنفتح معها الآمال والتحديات والمشكلات في كل أسرة، ففي كل بيت حكاية عن الدراسة والمدرسة، ولدى كل أبٍ وكل أمٍ أمل يتجدد في أن يجتاز أبناؤهم الدراسة بتفوق، ومع بداية الدراسة يتغير إيقاع الحياة في أكثر البيوت، ويعلن الحادي أن وقت اللعب ولى، وجاء وقت الجد.

مع إشراقة شمس الغد سيتغير وجه الحياة، سترى الشوارع وقد غصّت بالحركة، والبيوت وقد رفعت درجة الطوارئ، وسترى حركة غير طبيعية.

في صبيحة الغد تبذل جهود، وتستثمر طاقات، لو أُنفق بعضها في سبيل الصلوات لأصبح أبناؤنا ممن تعلقت قلوبهم بالمساجد.

إنّ ما نراه من مشاهد تحدث صباح كل يوم دراسي يؤكد لك أنّ الناس عباد الدنيا، النائم يوقظ، والمسافر يقدم، والرغبات تحقق، والخواطر تجبر، كل هذا في سبيل الدراسة!ّ وذاك أمر حسن.

ولكن: أين هذه الاهتمامات في سبيل القيام بحقوق الله وتربية النشء على طاعة الله؟!.

أين هذه الهمّة وذاك الحرص مع الأبناء في صلاة الفجر؟!.

لقد أصبحت الدراسة عند البعض مقدّمة على طاعة الله جلّ جلاله، وإذا كانت كذلك واحتلت المرتبة الأولى في اهتمام المسلمين على حساب أعظم العبادات وهي الصلاة فهذا يعني أن الدراسة ستكون طاغوتًا يُعبد من دون الله، وهذا أمر لا يرضاه المسلم لنفسه أبدًا.

أيها المسلمون:

ومع انتهاء الإجازة وبدء عامٍ دراسي جديد يحلو الكلام إلى فئات ثلاث تشكل أساس العملية التعليمية والتربوية.

أما الفئة الأولى: وهم حماة الثغور ومربو الأجيال، فأرجئ الحديث عنهم وإليهم إلى جمعة قادمة، وأوجه خطابي إلى الشبيبة الناشئة أمل الأمة ورجال المستقبل.

يا معشر الطلاب:

اعلموا أن المجد لا ينال بالتمني ولا بالتشهي، ولا يُدرك بالنوم والبطالة، وإنّما يناله أهل الهمم العالية والنفوس الأبية، وما وصلت الأمم المتحضرة إلى ما وصلت إليه بالنوم في الصباح والسهر في الليل على اللهو والضياع.

قل لمن نام وهو يطلب مجدًا ** فاتك المجد يا حليف الوسائد

اتقوا الله في حياتكم ودراستكم وأعمالكم فتقوى الله من أسباب تحصيل العلم النافع: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

اطلبوا العلم لوجه الله، وصححوا نيتكم في الطلب، ومن ابتغى بعلمه وجه الله نال رضا الله وحصل مقصوده: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) .

يا معشر الطلاب:

احترموا من يقدم لكم العلم، وعاملوهم بالاحترام والمنطق الحسن، مع الإنصات لهم والتأدب معهم وقبول نصحهم، فالتواضع من أوضح سمات الطالب المميّز، ومن لم يحتمل ذل التعلّم ساعة تجرّع مُرّ الجهل طول حياته.

أخي الطالب:

ليس من الرجولة والشهامة أن تكون عنصر أذى، وسبب شغب، وعامل استفزاز، بل الرجولة الحقّة أن تحترم من هو أكبر منك سنًا وقدرًا، وليس منّا من لا يعرف لكبيرنا حقه.

أخي الطالب:

اليأس والملل من أكبر عوائق الأمل وقواطع العمل، فأقبل على دراستك بروح التفاؤل وبالنظرة الإيجابية، واعمل ليومك وانس المستقبل، فذلك محكوم بما يقدره الله.

أخي الطالب:

اختر من زملائك من استقامت أخلاقه وطابت سريرته، فالجليس له تأثير على جليسه، فجالس من ينفعك في دينك، ويفيدك في سلوكك وأخلاقك ودراستك، ولا تنس أن كل صداقة لغير الله فهي عداوة يوم القيامة، والجليس يعرف بجليسه، والقرين بالمقارن يقتدي.

والله المسئول أن يصلح أقوالك وأفعالك ومقاصدك.

بارك الله لي ولكم في القرءان العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.

وأشهد ألا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه.

وأشهد أنّ نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلّم الداعي إلى رضوانه، صلوات الله وتسليماته عليه، وآله وصحبه وإخوانه. أما بعد:

فذلك حديث وخواطر أبثّها إلى رجل خارج المدرسة ببدنه، لكنه فيها بحرصه ومتابعته ومشاعره.

إليك يا ولي الأمر، أذكّرك أولًا بقوله صلى الله عليه وسلّم:"ما من راعٍ يسترعيه الله رعيه يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة". وبقوله:"إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه؛ حفظ ذلك أم ضيّع؟! حتى يسأل الرجل عن أهل بيته".

إنها الأمانة التي عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، إنه كان ظلومًا جهولًا.

يا معشر الآباء والأولياء:

ليس مهمتكم فقط توفير الكساء والغذاء وجلب حاجات البيت، دون أن تدركوا المهمة الكبرى والمسئولية العظمى؛ وهي رعاية القلوب وإصلاح النفوس.

البيت - أيها الآباء - هو الدائرة الأولى من دوائر تنشئة الولد وصيانة عقله وخلقه ودينه.

فماذا يصنع المدرس؟!.

وماذا تستطيع أن تعمل المدرسة؟!.

بل ماذا ستغني الدوائر التربوية في شأن طالب نشأ في بيت بعيدٍ عن الأجواء الشرعية المنضبطة، وآخر تربى على استنكاف العبادات الشرعية، وثالثٍ نشأ في جوٍ موبوء بالمنكرات، ورابعٍ يذاكر والدش فوق رأسه؟!.

قد يستطيع المدرس أن يقطع خطوات في تربية الطالب وتوجيهه، لكنه جهد غير مضمون الثمرة، لأن تأثير البيت المعاكس يظل دائمًا موجهًا لإفساد ما تصلحه المدرسة، وإن من أكبر التناقضات التي يعيشها الطالب والتي تكون سببًا في انحرافه سلوكيًا وسقوطه دراسيًا هو ذلك التناقض الذي يعيشه بين توجيهات مدرس صالح ومتابعة إدارةٍ حازمة، وبين بيتٍ موبوء بوسائل الإعلام المخالفة والمصادمة لتوجيهات المدارس التربوية.

فبالله عليكم: كيف نطلب التفوق من طالب يقضي كل يوم أربع أو خمس ساعاتٍ بين أفلامٍ ساقطة وبرامج هدامة؟!.

وماذا نتوقع من طالبٍ مراهق يعكف على مسلسلاتٍ قاعدتها الأساسية مظاهر الحب والغرام والعشق بين الجنسين؟! ثم بعد هذا يتمنى الأب أن يكون ولده في المرتبة السامية العليا من الأخلاق والآداب والسلوك، ويطلب منه التفوق في دراسته، وإن هذا لشيء عجاب.

يا معشر الآباء والأولياء:

المدرسة وحدها ليست معقلًا للتربية وإنما هي مجتمع صغير يمثل المجتمع الكبير، ففيها الصالحون وفيها المفسدون، وليس كل ما يقال في المدرسة حقًا، والأساتذة ليسوا كلهم على درجةٍ جيدة من ناحية التخصّص، كما أنهم ليسوا جميعًا من أهل الصلاح والتقوى الذين يُعتمد عليهم في توجيه النشء.

ومن هنا تنشأ مسئوليتك - أيها الأب المسلم - في متابعة ما يتلقاه ولدك في المدرسة، فتُقوّم ما يحتاج إلى تقويم من الأفكار والتصورات الدخيلة المنحرفة والتي تعيق التربية الفكرية الصحيحة.

وواجبٌ عليك - أيها الأب - أن تكمل ما قد يحصل من نقص في عمليتي التربية والتعليم، فلا يجوز لك أن تهمل ولدك في هذا الجانب، أو أن تشعره أن كل ما يلقى إليه من معلومات في المدرسة هو صحيح يجب اعتقاده فهذه خيانة للأمانة وتهرب من المسؤولية.

يا معشر الأولياء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت