وفي وسع أجهزة الأمن بلا شك أن تفتعل قضية ، وأن تنشب إلى الناس جرائم لم يرتكبوها قط ولم يفكروا مجرد تفكير في ارتكابها ، وأن تحملهم - بوسائل التعذيب البربرية - على"الاعتراف"بما لم يفكروا فيه أصلًا ... ولكن الجماهير لم تعد اليوم غافلة كما كانت قبل ثلاثين سنة أو عشر ! وصارت اليوم تقدم سوء الظن بأجهزة الأمن على إحسان الظن ! ولم يعد يسهل على حاكم أن ينقض على جماعة كل عملها هو التربية الإسلامية ، فيصب عليها وحشيته وهو آمن من الإنكار والسخط .
وحقيقة إن أولئك الطغاة لا يهمهم كثيرًا غضب الجماهير ، ولكن الذين يشغلونهم لحسابهم لا يحبون أن يكون عميلهم مفضوح الأمر أمام الناس ، لأن هذا يفسد اللعبة في النهاية ولا يحقق المطلوب ؛ بل إنهم في بعض الأحيان يدفعونه دفعًا إلى ما يسخط الناس عليه ، حين يكونون قد قرروا إنهاء دوره والإتيان بوجه جديد ، كما فعلوا بالسادات من قبل ، ومن بعده النميرى !
ضربنا نموذجًا من إنفاق الطاقة في قضايا لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تغير شيئًا في الحقيقة ، إذ سرعان ما أزيلت الجماعات الدينية من الجماعات ، رجع الفاسدون والفاسدات أشد فسادًا من ذى قبل !
ونضرب الآن نموذجًا من قضايا ذات خطر حقيقي ، كقضية تحكيم الشريعة الإسلامية ، وهي قضية رئيسية بالنسبة لكيان الأمة كلها ؛ والسعي إلى تحكيم شريعة الله فرض على كل مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ، لأنه هو المقتضى المباشر لتلك الكلمة العظيمة التي يعلن بها شهادة الإسلام .
نعم ! ولكن !
هل يمكن حقًا أن تقوم شريعة الله في الأرض قبل أن توجد القاعدة المؤمنة الواعية المجاهدة التي تواجه النتائج المترتبة على إعلان الحكم الإسلامي ، وأولها تحرش الصليبية الصهيونية على نحو ما حدث في الجزائر وفي تركيا ؟
وهل يكفي"الضغط الشعبي"لإقامة الحكم الإسلامي ، إن لم يكن"الشعب"الذي يمارس الضغط مستعدًا لجهاد ، ومستعدًا لخوض معركة طويلة الأمد ، يصبر فيها على الخوف ، والجوع ، ونقص الأموال ، والأنفس ، والثمرات كما بين الله في كتابه المنزل:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ ) [سورة البقرة 2/153-155]
أليس الأجدى إذن إنفاق الطاقة في إقامة"القاعدة المسلمة"التي تحتمل هذه التبعات الجسام ، بدلًا من إنفاقها - أو إنفاق قدر منها - في المطالبة الشفوية التي لا يترتب عليها شئ في الحقيقة ، إنما تكون كالطلقة الطائشة ، تنبه عدوك إلى مكانك دون أن تصيب شيئًا في الواقع ؟!
إن القضية ليست إلهاب حماسة الجماهير لتطبيق الشريعة الإسلامية ، فهذا وحده لا يكفي ، ولا يغير شيئًا من الواقع ، طالما كانت هذه الجماهير لا تملك إلا تلك الحماسة العاطفية ، التي يمكن أن تنطفئ بذات السرعة التي تلتهب بها .
إنما يتغير الواقع حين تُعْمِل تلك الجماهير نفسها لقضية تحكيم الشريعة على أساس أن هذا التحكيم هو المقتضى المباشر لقول لا إله إلا الله ، محمد رسول الله .
والفارق الضخم - في مجال الحركة الواقعية - بين الحماسة العاطفية التي لا تنتهي إلى شئ واقعي، وبين تجنيد الناس أنفسهم لهذه القضية ، ينشأ من فارق دقيق - وخطير في الوقت ذاته - في تفهم حقيقة القضية وإدراك أبعادها .
فحين تكون القضية في حس الناس أن تحكيم الشريعة"كمالات"يكتمل بها دينهم ، ولكنهم قبل ذلك مسلمون ولو رضوا بشريعة غير شريعة الله ، وتحاكموا إليها بغير حرج في ضمائرهم ، سيكون أقصى ما يعطونه للقضية هو تلك الحماسة العاطفية التى لا تصمد للبطش الوحشي الذي يقابل به الطغاة الدعوة لتحكيم شريعة الله ، وأن إيمانهم لا يكون ناقصًا إنما يكون غير قائم أصلًا إذا تحاكموا - راضين - إلى شرائع يضعها البشر من عند أنفسهم بغير إذن من الله .
عندئذ سيجند الناس أنفسهم لتلك القضية ، لأنها ستكون في حسهم قضية إيمان وكفر ، لا مجرد"كمالات"يكملون بها إيمانًا موجودًا بالفعل، مرضيًا عند الله!
أما الحماسة العاطفية فمهما أعجب الدعاة مظهرها ، فلست رصيدًا حقيقيًا في المعركة الهائلة التي يرصدها للإسلام أعداء الإسلام .
تلك نماذج نضربها لصرف الطاقة في غير مجالها الحقيقي ، أو للتقصير في صرفها في مجالها الذي يجب أن توجه إليه ، ودلالتها أن هناك جوانب نقص في عملية التربية القائمة في ساحة العمل الإسلامي .
فإذا أضيف إلى ذلك ما يشكو منه كثير من الشباب العاملين في الدعوة من أن بعض"المسئولين"عنهم ينقصهم التجرد الكافي للدعوة ، الذي يجعل مصلحتها الحقيقة هي رائدهم ، لا ذواتهم ، ولا رغبتهم في الظهور والاستحواذ على أكبر عدد من الأنصار .
إذا وضعنا هذا كله في الميزان ؛ فهل يحق لقائل أن يقول: ربينا بما فيه الكفاية ؟!
أما الذين يسألون: إلى متى نظل نربى دون أن"نعمل"؟
فلا نستطيع أن نعطيهم موعدًا محددًا فنقول لهم: عشر سنوات من الآن ، أو عشرين سنة من الآن ؛ فهذا رجم بالغيب لا يعتمد على دليل واضح ، إنما نستطيع أن نقول لهم: نظل نربى حتى تتكون القاعدة المطلوبة بالحجم المعقول .
وواضح أن هذه الإجابة غير محددة ؛ فلا هي تحدد"الزمن المطلوب"، ولا هي تحدد"الحجم المطلوب".
ولكن الحقيقة أنه لا يوجد بشر في الأرض يستطيع أن يعطى هذا التحديد ، لأن فيه عنصرًا بل عناصر غيبية لا يمكن للبشر تحديدها.
لقد كان الوحي هو الذي ينقل خطى الجماعة الأولى بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم . فقد أمره الله بادئ ذي بدء بإنذار عشيرته الأقربين ، فأخذ يدعو إلى الله سرًا فترة من الوقت وهو يتحمل الأذى من عشيرته صابرًا محتسبًا حتى نزل الأمر الرباني بالجهر بالدعوة ، فصدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر ، ونزل الأذى بالمؤمنين وتحركت مشاعر بعضهم للرد على الأذى ، فنزل الوحي يقول لهم: ( كفوا أيديكم ) فكفوا ، واحتملوا الأذى صابرين حتى أذن الله لهم بالقتال فقال سبحانه:
( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) [سورة الحج 22/39]
ثم جاء الأمر بقتال الذين يقاتلون المؤمنين من المشركين ، دون سواهم:
( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) [سورة البقرة 2/190]
ثم جاء الأمر بقتال المشركين كافة:
( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً...) [سورة التوبة 9/36]
واليوم وقد انقطعت الرسالات وختمت النبوة فلن يتنزل وحي يقول للمسلمين: كفوا أيديكم إلى سنة كذا ، وقاتلوا سنة كذا ! إنما هو الاجتهاد والرأي بحسب الظروف القائمة في الأرض ، وبحسب السنن الجارية التي يجرى الله بها قدره في حياة الناس .