وهذه السنن تقول إن الانحراف الضخم الذي وقعت فيه الأمة حتى أصبح الإسلام فيها غريبًا كما كان غريبًا أول مرة ، يحتاج إلى جهد ضخ وزمن غير قصير حتى تعود الأمة إلى الصراط السوي ، أو حتى تعود منها فئة تحتمل الصراع والصدام مع القوى العالمية المعادية للإسلام ، وتصمد لها حتى يمدها الله بالنصر ، ويمكن لها في الأرض ، ويكون لها من رسوخ القدم في الإيمان ، وصدق العزيمة ، والشجاعة في الحق ، والزهد في متاع الدنيا ، والحرص على ما عند الله في الآخرة ، وما يجعلها تحمل العبء صابرة محتسبة ، ويجعلها تحمل أدران بقية الأمة من المنافقين وضعاف الإيمان والمتقاعسين عن الجهاد فلا يخذلونها ، بل ترفعهم هي بالمثال الرفيع الذي تضربه للناس .
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [سورة الأنفال 8/2-4]
( مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) [سورة الأحزاب 33/23]
( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) [سورة المائدة 5/54]
( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) [سورة آل عمران 3/146]
( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) [سورة النساء 4/74]
فالزمن المطلوب للتربية هو الزمن الذي يكفل ترسيخ هذه الصفات في نفوس الفئة المختارة التي يقع عليها عبء المواجهة مع الأعداء .
وهو زمن لا يستطيع بشر أن يحدده على وجه الدقة لأنه غيب ، ولأن فيه جملة متغيرات تتغير النتيجة في كل مرة بحسب نوعها ومقدارها ألا وهي:
أولًا: الجهد الذي ينبغي أن نبذله لبلوغ هذا الهدف الأساسي:
فكلما بذلنا جهدًا أكبر ، كان لنا أن نطمع في تقريب الزمن ، أما إذا تراخينا في بذل الجهد ، أو لم نوجهه الوجهة الصحيحة فسيطول الزمن ولا شك .
ثانيًا: مدى استجابة الذين ندعوهم ونربيهم وهذا أمر ليس في يد البشر إطلاقًا:
( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [سورة القصص 28/56]
إنما كلفنا الله سبحانه وتعالى أن نبذل الجهد ، وتكفل هو سبحانه بالنتائج ، لأنها تتم بقدر منه ، وبحسب مشيئته .
وإن كنا نطمع دائمًا في منّ الله وكرمه ، أننا إذا صدقنا في بذل الجهد فإن الله يرتب النتائج في صالح الدعوة .
وقد رأينا بأعيننا أن استشهاد رجل واحد صدق ما عاهد الله عليه ، يصنع لهذه الدعوة من العجائب ما لا تصنعه ألف خطبة ولا ألف درس ولا ألف كتاب ، وهذا عون الله الذي وعد به سبحانه حين يصدق عباده في التوجه إليه ، والتوكل عليه ، والإيمان به .
والمتغير الثالث هو الظروف التي تحيط بالدعوة وتحيط بالأعداء ، والتي تحدد بدورها الحجم المناسب للقاعدة المطلوبة .
فحين يخلق الله ظروفًا مواتية فقد تستطيع قاعدة أصغر حجمًا مما نتخيل الآن ، أن تقيم حكم الله في الأرض ، وتسانده بعد قيامه .
وحين تجرى مشيئة الله بغير ذلك - لحكمة يريدها - فقد نحتاج إلى قاعدة أكبر حجمًا مما نفترض في لحظة معينة .
والحكم في هذا الأمر مسألة اجتهادية ، سواء في تقدير الحجم اللازم للقاعدة ، أو في تقدير الظروف القائمة من حولها .
ومن أجل هذه المتغيرات - وغيرها كثير - لا يستطيع بشر أن يحدد زمنًا يقول فيه: نظل نربى إلى عام كذا ، ثم نبدأ"العمل"!
على أن ينبغي أن نضع في حسابنا أن التربية لا يمكن أن تتوقف في أية لحظة فهي بذاتها هدف دائم بالنسبة للأمة حتى لو قام الحكم الإسلامي ؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكفّ عن تربية أصحابه حين قامت الدولة ، بل استمر إلى آخر لحظة يربيهم ، وانظر مثلًا خطبته في حجة الوداع ، كذلك سار من بعده من الخلفاء الراشدين على نهجه صلى الله عليه وسلم يربون الأمة وبالسلطان .
إنما بدأ الانحراف في الأمة حين نقصت التربية عن القدر المطلوب ، وحين تحولت عن النهج المطلوب .
إنما كانت إجابتنا موجهة للذين يعنون بسؤالهم: إلى متى نظل نخصص الوقت كله والجهد كله لعملية التربية المطلوبة .
وأما الذين يقولون: ما جدوى التربية ، ونحن كلما ربينا جيلًا من الشباب قضى عليه الأعداء ! فقد سبق أن أجبنا على تساؤلهم من الواقع المشهود .
ونحن لا نعلم الغيب ، ولا نعلم إن كان الشاب الذي نربيه اليوم سيموت غدًا أم يموت بعد عمر مديد ، ولا نعلم كذلك هل يثبت على الطريق أم يفتن في دينه، ولكن علينا دائمًا أن نبذل جهدنا في تربيته على النهج الصحيح .
فإن شاء الله أن يمتد به العمر فهو قوة للدعوة وامتداد لها ، أما إن كان في قدر الله أن يفتن في دينه فمنذا الذي يستطيع أن يرد عنه قدر الله ؟ ومنذا الذي يستطيع أن يعرف لفرد ما يكون من أمره في الغداة ؟!
في جميع الأحوال إذن ينبغي أن نمضي في التربية ، ونحن واثقون أنها الطريق الواصل في النهاية ، حتى وإن كانت هي الطريق الشاق المجهد البطيء الطويل .
ولابد من كلمة تبين لنا على الأقل بعض أبعاد التربية المطلوبة ، وما يمكننا أن نتحدث عن كل أبعاد التربية أو عن المناهج التربوية ، فتلك بحوث متخصصة .
ونكتفي بثلاثة أبعاد لأنها ذات أهمية خاصة ، ومن أراد البسط فعليه بمراجعة مظان المسألة:
البعد الأول:"اليقين":
يقول سبحانه وتعالى:
( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) [سورة الذاريات 51/58]
ولو أنك سألت أي إنسان في الطريق: من الذي يرزقك ؟ لقال لك على البديهة: الله !
ولكن انظر إلى هذا الإنسان إذا ضُيق عليه في الرزق ، يقول: فلان يريد أن يقطع رزقي ! فما دلالة هذه الكلمة ؟
دلالتها أن تلك البديهية التي نطق بها لم تكن"يقينًا"قلبيًا ، إنما كانت بديهية ذهنية فحسب ، بديهية تستقر في وقت السلم والأمن ، ولكنها تهتز إذا عرضت للشدة ، لأنها ليست عميقة الجذور .
هل يصلح مثل هذا الإنسان لأعباء الدعوة ومشقاتها ؟!
هل يصلح لتلك الأعباء إلا شخص قد استقر في قلبه إلى درجة اليقين أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين .
أن الله هو المحيى والمميت ، أن الله هو الضار والنافع ، أن الله هو المعطى والمانع ، أن الله هو المدبر ، أن الله هو الذي بيده كل شئ .
وإذا اهتز اليقين لحظة واحدة فماذا يحدث ؟!
لقد كنا نرى في المعتقل بعض الذين يهتز في قلوبهم هذا اليقين لحظة ، فتهتز خطواتهم على الطريق ! يتسرب إلى روعهم أن هذا الشخص أو ذاك يمكن أن ينفع ، أو يمكن أن يضر .